كما ظنه البعض.
• وأن هذا المانع وإن منع من تكفيره لم يمنع من استحقاقه العقاب تعزيرًا، ولهذا راجع عمرُ النبيَّ عليه الصلاة والسلام في قتله مرة ثانية، ومنع من ذلك شهوده بدرًا، ولهذا كان مذهب طوائف من العلماء قتل الجاسوس وأنه راجع إلى رأي الإمام [1] ، كما قال بعض العلماء بكفر الجاسوس المنتسب للإسلام وأن هذه زندقة، انظر المراجع السابقة.
وبهذا ترى أن حاطبًا رضي الله عنه قام في حقه مانعان:
الأول: مانع من تكفيره: وهو التأوّل وإن أخطأ فيه، تماما كما وقع لقدامة بن مظعون.
والآخر: مانع من تعزيره: وهو شهوده بدرًا.
هذا هو تحقيق القول الذي تشهد له الأدلة الشرعية مجتمعة في قصة حاطب، وقد وردت خلافات كثيرة في استنباطات العلماء من هذه القصة وهي مثبتة في التفاسير والشروح الحديثية وقد أعرضت عن ذكرها إلا ماشهدت له الأدلة، وقد قال تعالى (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا) النساء: 82. وقد قال الأستاذ عبدالمجيد الشاذلي في كتابه (حد الإسلام) إن موالاة الكفار كلها كُفْر، وهذا صواب، ولكن أشكل عليه حديث حاطب وأنه لم يكفر بفعله، فقال إنه ليس من الموالاة، وهذا خطأ، فقد نزلت فيه سورة الممتحنة وهي صريحة في أن فعله موالاة.
واعلم أن من قال بقتل الجاسوس ومن قال بعدم قتله كلاهما احتج بحديث حاطب كما هو معلوم في كتب الفقه والحديث، حتى جاء أحد المعاصرين فقال إن مجرد إظهار الإسلام يمنع من قتل الجاسوس واعترض على قول ابن القيم وغيره ممن قالوا إن المانع من قتل حاطب شهوده بدرًا وأنه يجوز قتل من لم يكن بهذه الصفة، واحتج هذا المعاصر بحديث فرات بن حيان، وفيه (أن رسول الله عليه الصلاة والسلام أمر بقتله وكان عينًا لأبي سفيان وكان حليفًا لرجل من الأنصار، فمّر بحلقة ٍ من الأنصار فقال إني مسلم، فقال رجل من الأنصار: يارسول الله إنه يقول إني مسلم، فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام(إن منكم رجالًا نكلهم إلى إيمانهم، منهم فرات بن حيان) [2] . فقال هذا المعاصر وهو د. محمد خير هيكل إن علة منع قتل فرات بن حيان كونه أعلن إسلامه، ثم ذكر قول ابن القيم ثم قال مانصه] كلام ابن القيم هذا فيه إغفال لحديث فرات بن حيان الذي يدل على أن كون الإسلام بمجرده هو المانع الوحيد من قتل الجاسوس، ومعلوم أن الجمع بين الأدلة أولى من إعمال بعضها وإغفال بعضها الآخر [، ثم قال ولعل عدم الإشارة إلى حديث فرات هو لضعف بعض رواياته[3] . وأقول: ليس الأمر كما ظن هذا المؤلف فإن حديث فرات هذا في الكافر المعاهد إذ تجسس على المسلمين ولهذا أورده أبو داود في سننه في باب (الجاسوس الذمي) فإذا تجسس نقض عهده واستحق القتل، فإذا أسلم عَصَم دمه لقوله عليه الصلاة والسلام (الإسلام يهدم ما كان قبله) [4] ، وهذا ماوقع لفرات
(1) ذكره ابن القيم في فوائد غزوة فتح مكة في (زاد المعاد) ج 2 ص 170 و ج 3/ 215، ط المكتبة العلمية ببيروت، وفي (بدائع الفوائد) 4/ 128، ط دار الكتاب العربي، وذكره ابن حجر في (فتح الباري) 8/ 635
(2) رواه أبو داود بسند صحيح
(3) انظر (الجهاد والقتال في السياسة الشرعية) د. محمد خير هيكل، ج 2 ص 1162 - 1163، ط دار البيارق ببيروت 1414ه
(4) الحديث رواه مسلم