فلم يكن يعرف له إسلام من قبل فلما أسلم هدم إسلامُه ماصنع. وهذا بخلاف ما إذا تجسس المسلم المعروف الإسلام فهذه المسألة ليس فيها إلا حديث حاطب. فلم يُغفل ابن القيم حديث فرات ولكن المؤلف هو الذي غفل عن الفرق بين المسألتين، فحديث حاطب في مسألة وحديث فرات في مسألة أخرى.
(تنبيه على خطأ فاحش) :
قال مؤلف (الرسالة الليمانية) - فيما نقلته عنه من قبل -] ينتج من ذلك الدليل البيّن على أن موالاة حاطب كانت ظاهرية فَعَلها لغرض دنيوي وقلبه مطمئن بالإيمان، ولو كانت موالاة بالباطن لكَفَر [ص 18. وهو في هذا مقلِّد لما ذكره أبو بكر بن العربي والقرطبي في تفسيريهما، قال القرطبي] من كثر تطلّعه على عورات المسلمين وينبّه عليهم ويُعرِّف عدوهم بأخبارهم لم يكن بذلك كافرًا إذا كان فعله لغرض دنيوي واعتقاده على ذلك سليم، كما فعل حاطب حين قصد بذلك اتخاذ اليد ولم ينوِ الردّة عن الدين [[1] .
وهذا القول من أفحش ماقيل وهو يفتح باب الردّة والكفر على مصراعيه لمن شاء أن يكفر ثم يعتذر بأنه كان له غرض دنيوي، وأعلّق على هذا بما يلي:
• أما قول القرطبي]ولم ينوِ الردَة عن الدين [فهذا خطأ سبق التنبيه عليه في أخطاء التكفير، وأن العبرة بقصد اتيان الفعل المكفر لاقصد الكفر به، وأسهبت في التنبيه على هذا بالأدلة المستفيضة، وذكرت هناك قول شيخ الإسلام ابن تيمية] وبالجملة فمن قال أو فَعَل ماهو كُفر، كَفَر بذلك، وإن لم يقصد أن يكون كافرًا، إذ لايقصد الكفر أحد إلا ما شاء الله [[2] .
• وأما القول بأن من أظهر العدو على عورات المسلمين لايكفر إذا فعله لغرض دنيوي فهو استنباط خطأ من قصة حاطب، فإن الذي جعله يُقدم على مافعل ليس هو مجرد الغرض الدنيوي بل الخوف من الكفار على ذريته. فتأمل الفرق؟.
• وغالب الكفار لم يكفروا إلا للأغراض الدنيوية باستحباب الحياة الدنيا على الآخرة كما قال تعالى (وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ، الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ) إبراهيم: 2 - 3، ووصف الله كفار أهل الكتاب بأنهم (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآَخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ) البقرة: 86، ووصفهم بأنهم (فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) آل عمران: 187، وما كَفَر هرقل وامتنع عن الإسلام إلا ضنًا بملكه كما هو ظاهر في حديثه المتفق عليه عن ابن عباس عن أبي سفيان، وماامتنع المقوقس عن الإسلام - بعدما أرسل النبي عليه الصلاة والسلام ليدعوه إليه - إلا حبا لدنياه وخوفًا على ضياع مُلكه، ونقل ابن تيمية قصته وقال في آخرها إنه لما امتنع عن الإسلام قال النبي عليه الصلاة والسلام (ضَنَّ الخبيث بُملكه ولا بقاء لمُلكه) [3] . وقد كان هرقل والمقوقس
(1) (تفسير القرطبي) 18/ 52
(2) (الصارم المسلول) 177 - 178
(3) انظر (الجواب الصحيح فيمن بدّل دين المسيح) لابن تيمية، 1/ 97