واليهود وكثير من الكفار يعلمون أنه رسول الله حقًا وامتنعوا عن الإسلام حبًا في الدنيا، قال تعالى (فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ) البقرة: 89. وهؤلاء الملوك والرؤساء الكافرون الذين يحكمون بلاد المسلمين اليوم بغير الإسلام مايمنعهم من الحكم بالإسلام إلا حب الدنيا والتمتع بمباهجها والخوف على ضياع ملكهم أو تقييد نفوذهم، وهذا من عمى البصيرة الذي يعاقبهم الله به جزاء إعراضهم، ولو أسلموا لسلمت لهم دنياهم وأخراهم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لهرقل - في رسالته إليه - (أَسْلِم تَسْلَم) وأشار ابن حجر إلى أن السلامة الموعود بها متضمنة لسلامة الدنيا والآخرة وبقاء مُلكه كما ثبَّت النبي عليه الصلاة والسلام الملوك الذين أسلموا على ملكهم، ولكن الأمر كما قال تعالى (وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ) إبراهيم: 27.
والحاصل: أن ما فعله حاطب كفر، والكفر لايرخص فيه إلا الإكراه، لايترخص فيه للأغراض الدنيوية ولا لمجرد الخوف مالم يقع إكراه، ومن كفر اختيارًا بغير إكراه فقد شرح صدره بالكفر، وغالب من يفعل ذلك إنما يفعله لأغراض دنيوية، ويدل على هذا كله قوله تعالى (مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ) النحل: 106 - 107. وفي التعقيب على هذه الآيات قال شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله] ولكن عليك بفهم آيتين من كتاب الله، أولاهما: ماتقدم من قوله (لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) التوبة: 66 فإذا تحققت أن بعض الصحابة الذين غزوا الروم مع رسول الله عليه الصلاة والسلام كفروا بسبب كلمة قالوها على وجه المزح واللعب، تبيّن لك أن الذي يتكلم بالكفر أو يعمل به خوفًا من نقص مال أو جاه أو مداراة لأحد أعظم ممن تكلم بكلمة يمزح بها.
والآية الثانية: قوله تعالى (مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ) فلم يعذر الله من هؤلاء إلا من أكرِه مع كون قلبه مطمئنًا بالإيمان، وأما غير هذا، فقد كَفَر بعد إيمانه، سواء فعله خوفًا أو مداراة، أو مشحّة بوطنه أو أهله أو عشيرته أو ماله، أو فَعَله على وجه المزح، أو لغير ذلك من الأغراض إلا المكره والآية تدل على هذا من وجهتين:
الأولى: قوله (إلا من أكرِه) فلم يستثن الله إلا المكرَه، ومعلوم أن الإنسان لايُكره إلا على العمل أو الكلام، وأما عقيدة القلب فلا يُكره أحد ٌُ عليها.
والثانية: قوله تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ) النحل: 107 - فصرَّح أن هذا الكفر والعذاب لم يكن بسبب الاعتقاد أو الجهل أو البُغض للدين أو محبة الكفر، وإنما سببه أن له في ذلك حظًا من حظوظ الدنيا فآثره على الدين. والله سبحانه وتعالى أعلم [[1] .
وفي التعليق على نفس الآيات بسورة النحل قال ابن تيمية رحمه الله]والله سبحانه وتعالى جعل استحباب الدنيا على
(1) من رسالة (كشف الشبهات في التوحيد) لمحمد بن عبدالوهاب، ضمن (مجموعة التوحيد) ط دار الفكر 1399ه، ص 125 - 126