الآخرة هو الأصل الموجب للخسران، واستحباب الدنيا على الآخرة قد يكون مع العلم والتصديق بأن الكفر يضر في الآخرة، وبأنه ماله في الآخرة من خلاق [[1] .
وبهذا يتبيّن لك أن الكفر لايترخّص فيه أبدًا للأغراض الدنيوية، وأن هذا عذر فاسد، وأفسد منه الاستدلال عليه بحديث حاطب، بل إن أغلب الكفار إنما كفروا حُبًا في الدنيا بما فيها من المناصب والرياسات والأموال، ولهذا فإن الله سلط عليهم المؤمنين لينتزعوا منهم أموالهم التي منعتهم من الإيمان (بالغنيمة والفيء) ، وليستذلوا أجسادهم التي تكبرت عن الخضوع لله (بالقتل والرِّق) ، وهذه من ثمرات الجهاد في سبيل الله تعالى.
هذا ما يتعلق بالتنبيه على الخطأ الفاحش في الاعتذار بالأغراض الدنيوية.
(التنبيه على أخطاء مؤلف الرسالة الليمانية في الاستدلال بحديث حاطب) ، وهي:
أ - ذكر المؤلف أن فعل حاطب غير مُكفِّر مالم تقارنه موالاة قلبية، وقد بيّنت فساد هذا القول وأنه قول غلاة المرجئة. والصحيح أن حاطبًا فعل كفرًا ولم يكفر للمانع.
ب - وذكر المؤلف أن من فعل هذا لغرض دنيوي لايكفر، وهذا خطأ فاحش سبق التنبيه عليه.
ج - وفي ص 21 نفى المؤلف أي خصوصية لحاطب في هذا الحديث، والصحيح أن الحديث نص عام في حاطب وفي مثله، ولكن حاطب له خصوصية شهود بدر التي منعت من تعزيره، ولهذه الخصوصية احتج من قال بقتل الجاسوس لانتفاء هذا المانع الخاص في غير حاطب [2] .
د - ولكن الخطأ الفاحش الذي وقع فيه المؤلف في الاستدلال بحديث حاطب هو تطبيقه ما فهمه واستنتجه من الحديث على أنصار الحكام المرتدين وجنودهم في زماننا هذا، فقد قال في ص 30] عمل فيه إعانة مباشرة لهذا السلطان الكافر ولكفره وظلمه، كالعمل في جهاز الشرطة المصري الحالي، فهذا وأضرابه يجب فيه التفصيل:
إن كان يعمل هذا وهو محب لكفره راض ٍ به، ليس هنالك ثمة مانع من تكفيره، فهو كافر.
وإن كان يعمل لغرض دنيوي وقلبه سليم، كاره لكفره يتمنى لو يزول، فهذا آثم بفعله ذلك حسب درجة ذلك الفعل، ولايكون كافرًا من باب الموالاة - لسلامة اعتقاده كفعل حاطب رضي الله عنه - إلا إذا كان فعله ذلك كفرًا بواحا فيكون تكفيره من هذا الباب وليس من باب الموالاة.
وإن كان يعمل لتحقيق مصلحة شرعية معتبرة أو لدفع مفسدة أكبر فهذا لاشيء عليه، بل قد يثاب على فعله هذا، ولايخفى أن الذي يقرر اعتبار هذه المصلحة أو تلك إنما هو المجتهد [. وواضح من كلامه أنه طبق مافهمه من حديث حاطب على جنود الحكام المرتدين، وقد بيّنتُ فيما مضى فساد مافهمه من حديث حاطب بما ينقض مااستنتجه من أحكام من أساسها.
ولكني أقول هنا: هل كان حاطب رضي الله عنه جنديا في جيش الكفار يأتمر بأمرهم ولايخرج عن طاعتهم فيعمل في المسلمين تقتيلا وتعذيبا ويرصد حركاتهم وسكناتهم، حتى يستدل بحديثه للحكم على جنود الكافرين أم كان حاطب جنديا في
(1) (مجموع الفتاوى) 7/ 560
(2) كما ذكره ابن حجر في (الفتح) 8/ 635، وذكره ابن القيم في (الزاد) 2/ 170 و 3/ 215، وفي (بدائع الفوائد) 4/ 128