فهرس الكتاب

الصفحة 822 من 1285

جيش المسلمين؟ وأي الأحاديث أولى بالتطبيق والتنزيل على هؤلاء الجنود، حديث حاطب الذي كان جنديا في صف المسلمين أم حديث العباس الذي كان جنديا في صف الكافرين وأجرى عليه النبي عليه الصلاة والسلام أحكام الكفار؟ أم إن هذا تحريف للكلم عن مواضعه واستدلال بالأدلة في غير ماوردت فيه؟ أم إن هذا هو فقه آخر الزمان؟.

وأقول أيضا: هل لم يفهم أبو بكر وعمر وسائر الصحابة رضي الله عنهم دلالة حديث حاطب فلم يطبقوه على أنصار المرتدين وجنودهم، حتى جاء هذا المؤلف بعدهم بألف وأربعمائة سنة ليطبق حديث حاطب على جنود المرتدين؟ فهو الذي فهم دلالة الحديث والصحابة لم يفهموا؟.

فإذا تبيّن أن الصحابة رضي الله عنهم لم يعملوا بما يدل عليه هذا الحديث ولم يستفصلوا أحوال جنود المرتدين بل حكموا عليهم جميعا بالكفر وأن قتلاهم في النار، علمت أن هذا المؤلف قد استدل بهذا الحديث في غير موضعه هذا بالإضافة إلى خطأ مافهمه منه، فهو قد جمع بين الخطأ في الفهم والخطأ في الاستدلال فزاد ضغثا على إبالة، وخرج بذلك عن إجماع السلف في هذا الموضع.

وقد نقلت في المقدمات المذكورة في القسم الأول - في كيفية الاجتهاد في النوازل - عن أبي حامد الغزالي قوله إنه يجب أن يبدأ بالنظر في الإجماع قبل النصوص حتى لايفتي في النازلة بخلاف الإجماع، فقد يفهم من النصوص مالا تدل عليه كما فعل هذا المؤلف. وسائر الفرق المبتدعة الضالة كالخوارج والمعتزلة والمرجئة وغيرهم يستدلون لبدعهم بأدلة من الكتاب والسنة وقد ضلّوا مع ذلك: إما لأنهم فهموا منها مالا تدل عليه وإما لأنهم لم يجمعوا بينها وبين مايخصصها أو يقيدها، وإما لأنهم أنزلوها في غير مواضعها. والعاصم من الزلل في هذا هو النظر فيما كان عليه السلف علمًا وعملًا في كل مسألة فإن النظر فيما كانوا عليه يبين المراد من الأدلة، كما أنه مرجح بين الأدلة المتعارضة [1] . وقد أسهب الشاطبي في بيان أهمية النظر في عمل السلف في فهم الأدلة وتنزيل كل دليل في موضعه وتعيين الناسخ من المنسوخ منها، فقال رحمه الله] فإن موافقة العمل - أي للدليل - من أوجه الرجحان، فإن موافقته شاهد للدليل الذي استدل به، ومُصدّق له، على نحو ما يصدقه الإجماع، فإنه نوع من الإجماع فِعْليّ، بخلاف ما إذا خالفه فإن المخالفة موهّنة له أو مكذبة. وأيضا فإن العمل مخلص للأدلة من شوائب المحامِل المقدَّرة الموهِّنة، لأن المجتهد متى نظر في دليل على مسألة احتاج إلى البحث عن أمور كثيرة، لايستقيم إعمال الدليل دونها، ومعين لناسخها من منسوخها، ومبين لمجملها، إلى غير ذلك، فهو عون في سلوك سبيل الاجتهاد عظيم - إلى قوله - ولذلك لاتجد فرقة من الفرق الضالة ولا أحدًا من المختلفين في الأحكام لا الفرعية ولا الأصولية يعجز عن الاستدلال على مذهبه بظواهر من الأدلة، وقد مَرّ من ذلك أمثلة. بل قد شاهدنا ورأينا من الفساق من يستدل على مسائل الفسق بأدلة ينسبها إلى الشريعة، المنزّهة، - ثم قال الشاطبي: - فلهذا كله يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه الأولون، وما كانوا عليه في العمل به فهو أحرى بالصواب، وأقوم في العلم والعمل [[2] وأدرجت في أوله كلمة (أي للدليل) . فتأمل قول الشاطبي أنه ما من أحد من المختلفين إلا ويمكنه الاستدلال بشئ من الأدلة ثم إن المرجح في هذا - ضمن المرجحات الكثيرة - النظر في عمل

(1) كما ذكره أبو حامد الغزالي في (المستصفى) 2/ 396، وأبو بكر الحازمي في (الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار) ص 19

(2) (الموافقات) ج 3 ص 76 - 77

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت