سلف الأمة فإنه مخلص للأدلة من شوائب الاحتمالات المقدرة، فهل عمل الصحابة بحديث حاطب أو أشاروا إليه في التوقف والتثبت في تكفير جنود المرتدين؟. وفي نفس الموضوع قال الشاطبي أيضا] كل دليل شرعي لا يخلو أن يكون معمولًا به في السلف المتقدمين دائما أو أكثريًا أو لا يكون معمولا به إلا قليلا أو في وقتٍ ما، أو لا يثبت به عمل، فهذه ثلاثة أقسام:
(أحدها) أن يكون معمولًا به دائما أو أكثريا، فلا إشكال في الاستدلال به ولافي العمل على وفقه، وهي السنة المتبعة والطريق المستقيم - إلى قوله:
(والثاني) أن لايقع العمل به إلا قليلا، أو في وقت من الأوقات، أو حال من الأحوال، ووقع إيثار غيره والعمل به دائما أو أكثريا، فذلك الغير هو السنة المتبعة والطريق السابلة. وأما مالم يقع العمل عليه إلا قليلا فيجب التثبت فيه وفي العمل على وفقه، والمثابرة على ماهو الأعم والأكثر. - إلى قوله:
(والقسم الثالث) أن لا يثبت عن الأولين أنهم عملوا به على حال فهو أشد مما قبله، والأدلة المتقدمة جارية هنا بالأولى، وما توهمه المتأخرون من أنه دليل على ما زعموا ليس بدليل عليه البته، إذ لو كان دليلا عليه لم يعزب عن فهم الصحابة والتابعين ثم يفهمه هؤلاء. فعمل الأولين كيف كان مصادما لمقتضى هذا المفهوم ومعارضا له، ولو كان ترك العمل، فما عمل به المتأخرون من هذا القسم مخالف لإجماع الأولين، وكل من خالف الإجماع فهو مخطئ، وأمة محمد عليه الصلاة والسلام لا تجتمع على ضلالة، فما كانوا عليه من فعل أو ترك فهو السنة والأمر المعتبر وهو الهدى، وليس ثَمّ إلا صواب أو خطأ. فكل من خالف السلف الأولين فهو على خطأ، وهذا كاف - إلى قوله - وكثيرًا ماتجد أهل البدع والضلالة يستدلون بالكتاب والسنة، يحملونهما مذاهبهم ويغبّرون بمشتبهاتهما في وجوه العامة ويظنون أنهم على شيء [[1] .
هذا الكلام المنقول عن الشاطبي رحمه الله سأعيده إن شاء الله في المبحث الثامن في أحكام الحجاب، عند نقد قول الألباني بعدم وجوب ستر المرأة وجهها بحضرة الرجال الأجانب، فالألباني ومؤلف الرسالة الليمانية كلاهما يفهم من الأدلة مالا تدل عليه، وكلاهما يفتي في المسائل بأدلة لم يعمل بها السلف في هذه المواضع بل كان عمل السلف مصادما لما توصلا إليه، وتأمل قول الشاطبي]فما كانوا عليه من فعل أو ترك فهو السنة والأمر المعتبر [، وتأمل قوله] وما توهّمه المتأخرون من أنه دليل على ما زعموا ليس بدليل عليه البته، إذ لو كان دليلا عليه لم يعزب عن فهم الصحابة والتابعين ثم يفهمه هؤلاء[. هذا مايتعلق بنقد استدلال مؤلف الرسالة الليمانية بحديث حاطب وتنزيله على جنود المرتدين.
(تنبيه آخر: في الفرق بين المقدور عليه والممتنع) .
بقي هنا تنبيه آخر على قول هذا المؤلف: إنه يجب التفصيل عند الحكم على هؤلاء الجنود، والتفصيل الذي ذكره ينطوي على تبين الشروط وانتفاء الموانع، وكرر هذا القول في موضع آخر من رسالته، فقال إنه لايجوز الحكم على المعين قبل تبين استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، ونقل في ص 12 من رسالته عن ابن تيمية قوله]من كفر بعينه فلقيام الدليل على أنه وجدت فيه شروط التكفير وانتفت موانعه، ومن لم يكفر بعينه فلانتفاء ذلك في حقه، هذا مع إطلاق قوله
(1) (الموافقات) ج 3 ص 56 - 57 و 71