فهرس الكتاب

الصفحة 825 من 1285

التي ذكرناها بشأن وجوب عدم التسوية في الحكم على كل الصور التي تأخذ في ظاهرها صورة من صور الموالاة، لذا فقد فرق العلماء عند توضيحهم لهذه المسألة بين العمل عند الظالم والعمل عند الكافر، وأيضا بين من يعمل وهو يحب ويرضى ومن يعمل مداراة وهو يكره ويبغض[.

وأقول: أما الدليلان الأول والثاني (وهما حديث حاطب وآية التقية) فَهُما نصّان في الموالاة، وأما هذا الدليل وهو عمل يوسف عليه السلام لملك مصر فليس نصًا في الموالاة وإنما أقحمه مؤلف (الرسالة الليمانية) في الموضوع ليستكثر من الأدلة على أن الموالاة الظاهرة المجردة غير مكفرة، فقال]وإن كان يأخذ في ظاهره صورة من صور الإعانة والموالاة الممنوعة [ص 27.

وإيراد هذا الدليل في هذه المسألة هو من سوء الأدب مع الأنبياء عليهم السلام، فمعنى كلامه أن يوسف عليه السلام وَالَى الكفار - وإن سماها موالاة ظاهرة - وهذا يدخل في تنقُّص الأنبياء، وقد قال رسول الله عليه الصلاة والسلام (إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبيّن فيها يَزِل بها إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب) [1] .

وهذا الذي فعله المؤلف شاع في هذا الزمان من بعض المنتسبين للإسلام، فإذا تقلد أحدهم الوزارة لملك أو رئيس كافر قال فعلها يوسف عليه السلام، وإذا تقلد أحدهم العضوية في البرلمان الكافر قال فعلها يوسف عليه السلام، وهذا سوء أدب مع الأنبياء وتنقّص لهم والتّنقص يدخل في السَّب [2] ، ويوسف وسائر الأنبياء بريئون من هؤلاء الذين لايتقلدون الوزارة ولايدخلون البرلمان حتى يقسموا على احترام الطاغوت والتزام العمل به والعمل من أجله، والطاغوت هنا هو الدستور والقانون اللذين يُتحاكم إليهما من دون الله كما قال تعالى (يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ) النساء: 60، أما يوسف وسائر الأنبياء عليهم السلام إنما بُعثوا باجتناب الطاغوت والكفر به كما قال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) النحل: 36، فهل لم يجتنب يوسف الطاغوت؟، وقال تعالى - حكاية عن يوسف عليه السلام - (وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ) يوسف: 38. وقد انعقد الإجماع على عصمة الأنبياء من الشرك ومن الكبائر، واختلفوا في عصمتهم من الصغائر، والجمهور على عصمتهم منها [3] ، فالذين يستدلون بعمل يوسف عليه السلام لملك مصر على إجازة المكفِّرات ينبغي أن يُستتابوا.

ونعود للرد على مؤلف (الرسالة الليمانية) في استدلاله بهذا الدليل من عدة أوجه، فنقول:

أ - إن عمل يوسف عليه السلام لملك مصر ليس موالاة قطعًا: لأن الله تعالى لما نهى المسلمين عن موالاة الكافرين بقوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء) الممتحنة: 1، ضرب لهم الأسوة بإبراهيم عليه السلام

(1) متفق عليه

(2) كما ذكره القاضي عياض في (الشفا)

(3) حكى هذا كله القاضي عياض في (الشفا) 2/ 694 - 851، ط الحلبي بتحقيق البجاوي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت