فهرس الكتاب

الصفحة 826 من 1285

فقال تعالى (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) الممتحنة: 4. وهذه المعاداة للكفار والبراءة منهم والتي هي نقيض موالاتهم هي ملة إبراهيم عليه السلام وهي ملة يوسف وسائر الأنبياء عليهم السلام، قال تعالى - حكاية عن يوسف عليه السلام - (وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ) يوسف: 38. وقد كان يوسف عليه السلام مُظهرًا لدينه - كما في الآية السابقة - داعيًا إلى التوحيد مظهرًا للبراءة من الكافرين وكُفرِهم مُسَفِّهًا لما هم عليه، حتى وهو في السجن، كما قال تعالى - حكاية عنه - (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) يوسف: 39 - 40.

فإذا تبين لك أن يوسف كان على ملة إبراهيم التي هي إعلان التوحيد والدعوة إليه وإظهار المعاداة للكفار والبراءة منهم وهي أمور على النقيض من موالاتهم علمت يقينًا أن يوسف عليه السلام لم يقع منه شيء من موالاة الكفار لا ظاهرًا ولاباطنًا. وأن عمله لملك مصر لايوصف بالموالاة لا من قريب ولا من بعيد، كما لايوصف أيضا بالركون إلى الكفار والظلمة لأن هذا الركون كبيرة من الكبائر بدليل الوعيد الوارد فيه في قوله تعالى (وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) هود: 113، وقد سبق ذكر الإجماع على عصمة الأنبياء من الكبائر، فلم يقع منه عليه السلام لا موالاة ولا ركون إلى الكفار. وهذا يُبطل ماذهب إليه مؤلف (الرسالة الليمانية) في إقحامه لعمل يوسف عليه السلام ضمن صور الموالاة، مما يُبطل استدلاله بهذا الدليل في موضوع الموالاة.

وقد قيل إن ملك مصر كان مسلما أو أسلم على يد يوسف [1] . فإن صح هذا ارتفع الإشكال في المسألة من أصله، ولكن هذا لم يثبت بنقل صحيح يعتمد عليه، كما أنه مستبعد بدليل قول يوسف نفسه (مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ) يوسف: 40، ثم قال موسى عليه السلام بعد ذلك بعدة قرون (وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ) غافر:34.

فإن قيل: إن عمل يوسف عليه السلام للملك الكافر فيه إعانة له بلاشك، فالجواب: أن هذا غير ممنوع منه إلا إذا كانت إعانة ً للكافر على أمر ٍ محرم فهي محرمة، أو إعانة للكافر على الكفر أو على المسلمين فتكون الإعانة هنا موالاة مكفّرة. ومؤلف (الرسالة الليمانية) خلط بين الإعانة والموالاة فجعل كل إعانة موالاة، وقد وردت شريعتنا - وشرائع الأنبياء جميعهم - بالنهي عن موالاة الكفار في حين أجازت الشريعة معاملتهم بالبيع والشراء والشركة والإجارة - وذكرت ذلك من قبل فيما يُظَن أنه موالاة وليس منها - وهذا كله فيه نوع إعانة لهم، ولكنها إعانة في أمور الدنيا ليست إعانة على الكفر أو على المسلمين، ومثاله: أن كفار مكة كانوا يجلبون الحنطة من اليمامة، فلما أسلم ثمامة بن

(1) ذكره القرطبي في تفسيره ج 9/ 120 و 159، ونسبه القرطبي إلى مجاهد في ج 9/ 217، وذكره ابن كثير أيضا في تفسيره ج 2/ 472

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت