فهرس الكتاب

الصفحة 827 من 1285

أثال وهو من سادة اليمامة منعهم الحنطة حتى يأذن النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك [1] ، وفي شرحه قال ابن حجر: إن النبي عليه الصلاة والسلام أذِنَ في ذلك [2] . وهذه إعانة وأي إعانة، ولكنها في أمر دنيوي.

ب - فإن قيل: هل يجوز في شريعتنا أن يعمل مسلم عند كافر؟. فالجواب: أن ابن حزم رحمه الله ذكر أن هذا كان مباحا في شريعة يوسف وأن شريعتنا بخلافه [3] ، وقد قال هذا لأن مذهبه أن شرع من قبلنا ليس شرعًا لنا [4] . وهذا هو الراجح في مذهب الشافعي أيضا [5] . وقول عامة السلف وجمهور الفقهاء أن شرع من قبلنا شرع ٌُ لنا بشرطين:

الشرط الأول: أن يثبت بنقل موثوق أنه شرع لهم، وذلك بالقرآن والسنة أو بالتواتر، دون مارَوُوه لنا - أي أهل الكتاب - من كتبهم وأخبارهم التي دخلها التحريف.

والشرط الثاني: ألا يرد في شرعنا بيان خاص في المسألة، فإن جاء في شرعنا بيان بالموافقة فيها فشرعنا أولى بالاتباع، وإن كان بيانًا بالمخالفة أو النسخ وجب العمل به ولايجوز العمل بشرع من قبلنا في هذه المسألة، ويبقى قسم ثالث وهو ماسكت عنه شرعنا فلم يرد فيه بيان لا بالموافقة ولا المخالفة فهذا القسم من شرع من قبلنا يجوز العمل به [6] .

فإذا نظرنا في مسألة عمل المسلم عند الكافر هل ورد فيها بيان في شريعتنا بالموافقة أو المخالفة؟. والجواب: نعم ورد بيان بالموافقة ويدل عليه ماوراه البخاري رحمه الله في كتاب الإجارة من صحيحه، باب (هل يؤاجر الرجل ُ نفسَه من مشركٍ في أرض الحرب؟) . وأورد فيه حديث خبَّاب بن الأرت رضي الله عنه قال: (كنت رجلا قَيْنًا، فعملت للعاص بن وائل، فاجتمع لي عنده، فأتيته أتقاضاه، فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: أما والله حتى تموت ثم تُبعث فلا، قال: وإني لميت ثم مبعوث؟، قلت: نعم، قال: فإنه سيكون لي ثَمَّ مالٌ وولدٌ فأقضيك، فأنزل الله تعالى(أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا) مريم: 77 [7] . والقَيْن هو الحداد ويطلق على كل صانع.

قال ابن حجر رحمه الله في شرحه] قوله (باب هل يؤاجر الرجل نفسه من مشرك في أرض الحرب) وأورد فيه حديث خباب - وهو إذ ذاك مسلم - في عمله للعاص بن وائل وهو مشرك، وكان ذلك بمكة وهي إذ ذاك دار حرب، واطلع النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك وأقره، ولم يجزم المصنف بالحكم لاحتمال أن يكون الجواز مقيدا بالضرورة، أو أن جواز ذلك كان قبل الإذن في قتال المشركين ومنابذتهم وقبل الأمر بعدم إذلال المؤمن نفسه، وقال المهلب: كره أهل العلم ذلك إلا لضرورة بشرطين: أحدهما أن يكون عمله فيما يحل للمسلم فعله، والآخر أن لايعينه على مايعود ضرره على المسلمين. وقال ابن المنير: استقرت المذاهب على أن الصُّناع في حوانيتهم يجوز لهم العمل لأهل الذمة ولا يُعَد

(1) والحديث رواه البخاري (4372)

(2) فيما رواه عن ابن هشام (فتح الباري) 8/ 88

(3) (الفصل في الملل والأهواء والنحل) 4/ 26 - 27

(4) انظر (الإحكام) لابن حزم، 5/ 160 ومابعدها

(5) انظر (الإحكام) للآمدي، 4/ 147

(6) هذا حاصل ماذكره ابن تيمية في (اقتضاء الصراط المستقيم) ط المدني ص 167 - 169، وفي (مجموع الفتاوى) ج 1 ص 258، و ج 19/ 7

(7) أه. حديث رقم 2275

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت