فهرس الكتاب

الصفحة 828 من 1285

ذلك من الذلة، بخلاف أن يخدمه في منزله وبطريق التبعية له والله أعلم [[1] .

وبهذا تعلم أن عمل المسلم عند الكافر جائز بشروط ثلاثة:

• الشرط الأول: أن يكون ذلك لضرورة: وذلك لأن فيه استعلاء للكافر على المسلم وهذا منهي عنه لقوله تعالى (وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) النساء: 141، وقال عليه الصلاة والسلام (الإسلام يَعلو ولايُعلى) [2] . والضرورة هنا: قد تكون الحاجة إلى الرزق أو تحقيق مصلحة أو دفع مفسدة لايتوصل إليها إلا بهذا العمل.

• والشرط الثاني: أن يكون جنس العمل حلالًا للمسلم: كأن يعمل زارعًا أو صانعًا عند الكافر فجنس هذه الأعمال حلال. أما الأعمال المحرمة فكثيرة ومن أمثلتها اليوم: الحكم بالقوانين الوضعية كالعمل في سلك القضاء في الحكومات الكافرة، والأعمال التي تقتضي القَسَم على احترام الدستور والقانون الوضعيين، والعمل في جباية الأموال لهذه الحكومات لأن معظم هذه الأموال تؤخذ ظلمًا من الناس، والعمل في البنوك الربوية والبيوع والتجارات المحرمة، والعمل في مصانع الخمور والتبغ ونحوها، والعمل في أجهزة التضليل المختلفة المسماة بأجهزة الإعلام والثقافة.

والشرط الثالث: أن لايُعين الكافرَ على مايضر المسلمين، فهذا يدخل في الموالاة المكفرة كما قال تعالى (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) المائدة: 51. ومن هذا: العمل كعريف أو شرطي أو جندي عند الكافر، قال رسول عليه الصلاة والسلام (يكون في آخر الزمان أمراء ظَلَمة ووزراء فسقة وقضاة خونة وفقهاء كذبة، فمن أدركهم فلا يكونن لهم عريفًا ولا جابيًا ولا خازنا ولا شرطيًا) [3] . فإذا كان هذا مع الأمير الظالم فكيف بالكافر؟. وكل مايعود على المسلمين بالضرر فهو حرام وقد يصل إلى الكفر.

وعمل يوسف عليه السلام عند الملك الكافر قد استوفى هذه الشروط الثلاثة، فعمله كان لتحقيق مصلحة وكان مباحًا ولم يُعِنْ الكافر على المسلمين ولم يضر مسلمًا.

فإن قيل: قد ذكرت في الأعمال المحرمة جباية المال للكافر وهذا هو عمل يوسف عليه السلام، فكيف كان عمله مباحا؟. فالجواب: إن المحرم هو جباية المال وفق اجتهاد الكافر وحسب قوانينه الوضعية الطافحة بالظلم، أما إن كانت الجباية وفق اجتهاد المسلم متولي الجباية فهذا عدل ٌُ وإصلاح، وقد كان هذا هو حال يوسف عليه السلام فقد كان مفوّضًا يُمضي الأمور على اجتهاده ويدل على هذا قول الملك له (إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ) يوسف:54، وقال تعالى (وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ) يوسف: 56، وقال تعالى - حكاية عن يوسف - (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَاوِيلِ الأَحَادِيثِ) يوسف: 101، فأي تمكين بعد هذا؟. وقال

(1) (فتح الباري، 4/ 452)

(2) رواه البخاري معلقًا

(3) رواه الخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد) 10/ 284 و 12/ 63، ورواه ابن حبان وأبو يعلى والطبراني في الصغير، والحديث صحيح بمجموع طرقه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت