فهرس الكتاب

الصفحة 829 من 1285

الشوكاني] قوله تعالى (يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ) يوسف: 56 أي ينزل حيث أراد ... عبارة عن كمال قدرته [[1] ، ويدل على تمكينه أيضا أنه عمل بشريعته في استرقاق السارق كما ورد في قوله تعالى (مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ) يوسف: 79، وكانت تلك شريعته [2] . والحاصل أن يوسف عليه السلام وإن كان قد تولى الأموال جبايةً وصرفًا فهو قد تولاها على أن يعمل فيها باجتهاده لا وفق اختيار الكافر. وهذا جائز اليوم، فلو أن ملكًا كافرًا وَلّى مسلمًا ولاية أموال أو قضاء أو غيرها على أن يعمل المسلم فيها باجتهاده لا باجتهاد الكافر جاز [3] .

وبهذا يتبين الفرق بين ولاية يوسف عليه السلام، وتولي الوزارة عند الحاكم الكافر اليوم، فمتوليها يقسم على احترام الدستور والقانون وعلى العمل بهما وهما من شرائع الكفر، فهو كافر، هذا فضلا عن أن دساتيرهم تنص على المسئولية التضامنية للوزارة عن تنفيذ السياسة العامة للدولة وهي سياسة ترسيخ الكفر في البلاد واستئصال الإسلام منها، ومعنى المسئولية التضامنية أن كل وزير مسئول عن هذا وإن لم يباشره بنفسه.

فإن قيل: فما معنى قوله تعالى - حكاية عن يوسف - (مَا كَانَ لِيَاخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللّهُ) يوسف: 76؟. فالجواب: أن دين الملك هنا هو سلطانه، لا ملة الكفر وإلا ماكان يوسف مجتنبًا للطاغوت ولا متبعًا لملة إبراهيم عليه السلام، وهذا ممتنع، فتعيّن الأول.

واختم الكلام في الدليل الثالث لمؤلف (الرسالة الليمانية) بما بدأتُ به من أن هذا الدليل لايمت للموالاة بصلة لا في الصورة ولا في الحقيقة. وأن ولاية التفويض التي كان عليها يوسف عليه السلام لا وجود لها في ظل أنظمة الحكم الكافرة المعاصرة. ولهذا فإن الاستدلال بهذا الدليل جاء في غير موضع.

11 -ثم ذكر المؤلف دليلًا رابعا على أن الموالاة الظاهرة غير مكفرة مالم تقارنها موالاة قلبية، فذكر في ص 31 قوله تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ) الأنفال: 72. فنفى سبحانه ولاية المؤمنين لهم - وسبق بيان أنها في الميراث وقد نسخت - وأثبت لهم النصرة، وأنهم مازالوا مؤمنين رغم تركهم للهجرة.

وقد أقحم المؤلف هذا الدليل أيضا في مسألة الموالاة، فهناك فرق بين ترك الهجرة وبين الموالاة. ولا يصح له الاستدلال بذلك إلا إذا أثبت بالدليل أن كل تارك للهجرة موال ٍ للكفار موالاة ظاهرة، ليطبق عليها بعد ذلك قاعدته في اقترانها بالموالاة القلبية من عدمه. ولايوجد دليل على أن تارك الهجرة لابد أن يكون مواليا في الظاهر للكفار، فبطل استدلاله بهذا الدليل.

وقد أشرت إلى أحكام الهجرة في موضوع الديار، وأن الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام - إن وجدت - واجبة في الأصل، ثم قد تصير مستحبة، وقد يسقط الوجوب للعذر .. فتارك الهجرة - بناءً على ذلك - يكون آثما إذا كانت

(1) (فتح القدير) 3/ 35

(2) كما قال ابن تيمية (مجموع الفتاوى) 15/ 118

(3) ذكره ابن عابدين في حاشيته، 4/ 307 - 308، والقرطبي في تفسيره، 9/ 215

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت