ثانيا: التقييم الإجمالي لكتاب (الرسالة الليمانية)
والمقصود به في الأساس تبصير طالب العلم بالأسلوب العلمي لبحث المسائل الفقهية في ضوء ذكر مواضع الخلل التي وردت بهذه الرسالة.
وأبدأ فأقول: قد سبق عند الكلام في شروط المفتي في الباب الخامس من هذا الكتاب، بيان أنه يجب أن يكون عالما بالكتاب والسنة وبأقوال مَن سبق مِن العلماء. فإذا وردت عليه مسألة جمع أدلتها من الكتاب والسنة ونظر في أقوال أهل العلم فيها:
1 -فإذا وجدهم أجمعوا على قول ٍ فيها، وجب عليه الإفتاء بالإجماع. قال أبو حامد الغزالي رحمه الله] وأما الإجماع فينبغي أن تتميز عنده مواقع الإجماع حتى لايفتي بخلاف الإجماع [[1] . وكل فتوى خرجت بخلاف الإجماع فهى باطلة يجب نقضها [2] .
2 -وإذا وجدهم اختلفوا في المسألة، فقد وجب عليه الترجيح بين أقوالهم بما علمه من الأدلة من الكتاب والسنة وفق قواعد الترجيح المعروفة لأهل العلم، ثم يفتي بالقول الراجح في المسألة. كما قال ابن تيمية رحمه الله - في صفة الفقيه -]الفقيه: الذي سمع اختلاف العلماء وأدلتهم في الجملة، وعنده مايعرف به رجحان القول [[3] ، وقال ابن تيمية أيضا]أجمع العلماء على تحريم الحكم والفتيا بالهوى، وبقول ٍ أو وجه من غير نظر في الترجيح [[4] . ونقل ابن القيم عن أحمد بن حنبل رحمهما الله قوله]ينبغي لمن أفتى أن يكون عالما بقول من تَقَدم، وإلا فلا يفتي [[5] .
3 -فإذا لم يجد في المسألة قولًا لمن تقدم من أهل العلم اجتهد فيها.
هذا ما يجب على المفتي عندما تعرض له مسألة يريد أن يفتي فيها. والمسألة محل البحث (وهي حكم أنصار الحاكم المرتد) فيها إجماع وهو إجماع الصحابة الذي سبق ذكره، وبالتالي فهى ليست محلًا للاجتهاد ولا الترجيح، وكل مايجب على المفتي فيها أن يعرف أنها محل إجماع، فإذا لم يعرف ذلك دَلّ على جهله وقِلة بضاعته الفقهية.
ولم يسلك مؤلف (الرسالة الليمانية) هذا المسلك عندما تكلم في حكم أنصار الحاكم المرتد، فلم يجمع نصوص المسألة من الكتاب والسنة ولانظر في أقوال السلف فيها ليعرف هل هي موضع إجماع أم محل خلاف؟ وإنما اعتبرها نازلة جديدة لم يسبق لأحد ٍ قول ٌُ فيها، فشرع في الاجتهاد فيها، وحتى في اجتهاده لم يسلك مسلكًا سديدًا فلم يجمع كل النصوص الواردة في المسألة، وإنما وضع رأيا من عند نفسه وهو أن أي موالاة ظاهرة لايكفر فاعلها مالم تقارنها موالاة باطنة ثم التمس الأدلة على صحة رأية هذا وأنزله على أنصار الحاكم المرتد، وتوصّل بذلك إلى أنه لايكفر أحد ٌُ منهم مالم يُتحقق من توفر الموالاة الباطنة القلبية لديه وذلك بتبين حاله. فوقع المؤلف بذلك في مخالفة الكتاب والسنة
(1) (المستصفى) 2/ 351
(2) ذكره القرافي رحمه الله في كتابه (الفروق) 2/ 109
(3) (الاختيارات الفقهية) ط دار المعرفة، ص 333
(4) (المصدر السابق) ص 332
(5) (اعلام الموقعين) 4/ 205