فهرس الكتاب

الصفحة 834 من 1285

• كما أنه نص صريح في أن الخوف من الكفار - دون وقوع إكراه ملجيء - لايرخّص في موالاتهم، بل من والاهم مع الخوف دون إكراه فهو كافر كما قال تعالى (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ) المائدة: 51 - 52، وكون الخوف من الكفار لايرخص في موالاتهم يُثبت أمرين: أحدهما: خطأ حاطب في اعتذاره بالخوف لِمَا أقدم عليه، والأمر الآخر: أن التقية غير الموالاة، لأن التقية تجوز مع الخوف والموالاة لاتجوز معه، فثبت أن التقية ليست بموالاة كما قال ابن القيم، وهذا يُبطل الدليل الثاني للمؤلف. وبهذا ترى أن إيراد هذا النص العام المحكم في مسألة الموالاة كفيل بأن ينقض رسالة المؤلف من قواعدها، وبدلا من ذكر هذا النص المحكم لجأ المؤلف إلى نص خفي الدلالة تدخله الاحتمالات وهو حديث حاطب رضي الله عنه وفسَّره حسب القاعدة التي وضعها بعدم التكفير بالموالاة الظاهرة مالم تقارنها موالاة قلبية، فقال إن حاطبًالم يكفر رغم وقوع الموالاة الظاهرة منه، وخلص من هذا إلى أن الموالاة الظاهرة غير مكفرة بذاتها، والصواب أنها مكفرة وأن حاطبا فعل ماهو كُفْر وإنما لم يكفر للتأول وإن أخطأ فيه. ولو كان قد ذكر آيات سورة المائدة وهي النص العام المحكم في المسألة لما وقع في هذا الخلط، لأن حديث حاطب بخفاء دلالته يدخل في باب المتشابه وهذا يجب تفسيره وفق النص المحكم في المسألة عملا بقوله تعالى (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَاوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ) آل عمران: 7. ومعنى (أم الكتاب) أي أصله الذي يُرجع إليه عند الاشتباه. ولكن مؤلف (الرسالة الليمانية) لم يذكر النص المحكم في المسألة:

• فإن كان لم يذكر النص المحكم لعدم علمه به، فهو يتكلم في دين الله بغير علم، وهذا من الكبائر التي قرنها الله بالشرك كما قال ابن القيم في أوائل كتابه (اعلام الموقعين) ودليله قوله تعالى (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) الأعراف:33، والمفتي إنما يُخبر عن الله ويقول عن الله، فإن قال على الله بغير علم فقد وقع في هذه الكبيرة وحرم عليه الإفتاء.

• وإن كان المؤلف لم يذكر النص المحكم مع علمه به، فهو متوعد بقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) البقرة: 159. وإن كان يعلم النص المحكم فتركه وذكر النص المتشابه - وهو حديث حاطب خفي الدلالة - فهذه مسالك أهل الزيغ كما دل عليه قوله تعالى (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَاوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ) آل عمران: 7، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية] يُخبر تعالى أن في القرآن آيات محكمات هُنّ أم الكتاب: أي بيِّنات واضحات الدلالة لا التباس فيها على أحد، ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم، فمن رَدّ مااشتبه إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت