الواضح منه وحَكَّمَ مُحكمه على متشابهه عنده فقد اهتدى، ومن عَكَس انعكس. ولهذا قال تعالى (هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ) آل عمران: 7 أي أصله الذي يُرجع إليه عند الاشتباه، (وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) آل عمران: 7 أي تحتمل دلالتها موافقة المحكم وقد تحتمل شيئا آخر من حيث اللفظ والتركيب لا من حيث المراد - إلى أن قال - ولهذا قال الله تعالى (فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) آل عمران: 7 أي ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل (فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) آل عمران: 7 أي إنما يأخذون بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرّفوه إلى مقاصدهم الفاسدة وينزلوه عليها لاحتمال لفظه لما يصرفونه، فأما المُحكم فلا نصيب لهم فيه لأنه دافع لهم وحجة ٌُ عليهم، ولهذا قال الله تعالى (ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ) آل عمران: 7 أي الإضلال لأتباعهم إيهامًا لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن وهو حجة عليهم لا لهم [[1] .
فهذا مايلزم المؤلف بتركه للنص المحكم في مسألة الموالاة، مما يجعله واقعا بين وعيدين، الوعيد الوارد في حق من أفتى بغير علم إن كان يجهل النص، والوعيد الوارد في حق من يكتم العلم إن كان قد تركه مع علمه به. وتركه لهذا النص جعله يحكم في المسألة بخلاف كتاب الله تعالى، هذا في المناط الوحيد الذي ذكره - وهو الموالاة - فكيف بما لم يذكره من مناطات أخرى مكفِّرة لأنصار الحاكم المرتد؟.
2 -أما مخالفة المؤلف للسنة:
فهو لم يذكر حديث العباس في خروجه مع المشركين يوم بدر، وإجراء النبي عليه الصلاة والسلام حكم الكفار عليه، فهذا نص في محل النزاع في تكفير من يقاتل في صف الكفار على التعيين. واستدل شيخ الإسلام به على تكفير كل من يقف في صف الكفار ولو كان مؤمنا يكتم إيمانه أو كان مُكرهًا [2] . فلم يذكر المؤلف حديث العباس ولامرة واحدة في رسالته.
فإن كان المؤلف قد ترك ذكر هذا الحديث لعدم علمه به فتلزمه آية الأعراف (33) السابق ذكرها، وإن تركه مع علمه به فتلزمه آية البقرة (159) السابق ذكرها.
3 -وأما مخالفته للإجماع
فهو إجماع الصحابة رضي الله عنهم على تكفير أنصار المرتدين وغَنْم ِ أموالهم وسَبْي نساءهم وأن قتلاهم في النار، ولم يفرقوا بين تابع ومتبوع. وهذا إجماع صحيح من جهة النقل، قطعي من جهة الدلالة إذ لم يخالف في ذلك أحدٌُ من الصحابة. وقد ذكرت من قبل أن مخالف مثل هذا الإجماع يكفر نقلًا عن ابن تيمية والقاضي عياض.
ويلزم المؤلف في تركه لهذا الإجماع ما ذكرته من قبل إن كان قد تركه مع علمه به أو مع عدم علمه به [3] . وكان الأحرى به
(1) (تفسير ابن كثير) 1/ 344 - 345
(2) وقد نقلت قوله من قبل عن (مجموع الفتاوى) 19/ 225
(3) (قال الشيخ أبو محمد حفظه الله [قلت: وهذه مجازفة ظاهرة، مفادها أن المصنف يكفر صاحب الرسالة الليمانية لمخالفته هذا الإجماع.
والغريب أنه قال: (إن كان تركه مع علمه به، أو مع عدم علمه به) ! فلم يعذره حتى في خفاء هذا الإجماع عليه وعدم علمه به! مع أنه اشترط من قبل في قاعدة التكفير (ص479) أن من شروط التكفير؛ أن يكون الفاعل (عالمًا بأن فعله مكفّر) أهـ.
وهذا الشرط وإن كنا قد خالفنا إطلاق المصنف له وعدم تفصيله فيه كما تقدم، فإنه معتبر هنا، لأن هذا من فروع الشريعة التي قد تخفى عن المرء، وقد يذهل عنها المجتهد لظنه عدم مماثلة الواقع لما أجمع عليه الصحابة في زمانهم، أو غير ذلك مما قد يصرفه عن اعتبار الإجماع، ويجب معه التعريف والبيان وإقامة الحجة قبل التكفير.
وقد قال القرافي في (الفروق) : (ولا يعتقد أن جاحد ما أجمع عليه يكفر على الإطلاق، بل لا بد أن يكون المجمع عليه مشتهرًا في الدين حتى صار ضروريًا، فكم من المسائل المجمع عليها إجماعًا لا يعلمه إلا خواصّ الفقهاء، فجحدُ مثل هذه المسائل التي يخفى الإجماع فيها ليس كفرًا) أهـ (4/ 117) .
وقد فصلنا القول في هذه المسألة في رسالتنا الثلاثينية في التحذير من أخطاء التكفير، في خطأ (تكفير كل من خالف الإجماع دونما تفصيل) ، وبيّنّا هناك أن الإجماع إنما كان حجة لمستنده الشرعي، وإنما يكفر مخالف الإجماع الصريح لرده ومعارضته لذلك المستند الصحيح، وهذا لا يكون إلا عن علم بثبوت ذلك الإجماع ومعرفته بمستنده الصحيح.
أما أن يكفر كل مخالف للإجماع وإن خفي عليه مستنده، بحجة أنه رد الدليل، فهذا من التكفير بالإلزام، وقد بيّنّا في أخطاء التكفير أنه مزلة للأقدام.
وقد قال ابن دقيق العيد: (المسائل الإجماعية تارة يصحبها التواتر عن صاحب الشرع كوجوب الصلاة مثلًا، وتارة لا يصحبها التواتر، فالقسم الأول يكفر جاحده، لمخالفته التواتر، لا لمخالفته الإجماع، والقسم الثاني لا يكفر به) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (4/ 84) ] النكت اللوامع ص (39 - 40)