فهرس الكتاب

الصفحة 841 من 1285

وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ) التوبة: 34، فانظر كيف قرن الله تعالى بين الصد عن سبيله وأكل المال بالباطل؟. فحيثما وَجَدْتَ الضلالة من علماء السوء في صورة كذب على الله أو كتمان للحق أو تلبيس للحق بالباطل أو تحريف لمعاني النصوص، حيثما وجدت هذا فابحث عن الثمن، فستجده حتمًا في صورة من الصور، فقد قرن الله تعالى بينهما في مواضع كثيرة من كتابه الحكيم، (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثًا) النساء: 87؟. وقال تعالى (فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا) التوبة:69، فقرن سبحانه بين الخوض بالباطل والاستمتاع بالخلاق، وهذا كثير في القرآن، ولكثرته واضطراده فقد قال ابن القيم رحمه الله - في كتابه الفوائد - [إن كل من آثر الدنيا من العلماء فلابد أن يقول على الله غير الحق] . وهؤلاء هم حاشية السلطان وقطّاع الطريق إلى الله الذين يصدون الناس عن سبيل الله باسم الدعوة إلى الله، ولهذا فقد توعّدهم الله بأشد العذاب. هذه أهم أسباب الأخطاء الواردة في الموضوعات الشرعية.

(فائدة) متعلقة بمقام الحكمة والتعليل:

وهي لماذا أراد الله تعالى وقوع هذه الأخطاء والبدع والضلالات التي ينسبها مقترفوها إلى دين الله تعالى؟.

والجواب أن هذا مما يبتلي الله تعالى به خلقه ويفتنهم به ليختبر صدق إيمانهم. قال تعالى (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) الأنبياء: 35، ولما صنع السامري العجل لبني اسرائيل وقال لهم هذا إلهكم وذلك في غيبة موسى عليه السلام، فبماذا عَلّل هارون عليه السلام صنيع السامري هذا؟، قال هارون - فيما قصّ الله علينا - (يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي) طه: 90، وهو نفس ماعلّل به موسى الأمر لما رجع ورأى ماحدث، قال موسى - فيما قصّ الله تعالى - (إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء) الأعراف:155. وقبل تعليل موسى وهارون عليهما السلام فقد قال الله عزوجل (فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ) طه: 85. وهذا كله يدل على أن الله تعالى قد أراد وقوع الأخطاء والبدع والضلالات - إرادة قدرية وإن نهى عنها شرعا - ليختبر الناس بها فيُضل بها من يشاء ويهدي من يشاء، وبهذا تقوم بالناس في هذه الدنيا المحنة التي تميزهم إلى فريق في الجنة وفريق في السعير وِفق مشيئة المولى جل شأنه، قال تعالى (وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ، وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) الشورى: 7 - 8.

ومانشأت الفرق الضالة المخالفة لأهل السنة كالشيعة والخوارج والمرجئة إلا من المفتونين بالبدع والضلالات التي أجراها الله على ألسنة من سبق لهم الخذلان في علمه تعالى، وبهذا وقعت إرادة الله القدرية بافتراق هذه الأمة إلى فرق شتى كما أخبر بذلك الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام.

بقي هنا تنبيه هام: وهو أنه كما يفتن الله الناس بالضلالة يجريها على ألسنة أهل الزيغ، فإنه يفتنهم أيضا بالخطأ يجريه على لسان العالم الفاضل ليعلم الله هل يتبع الناس ماقال الله وقال رسوله عليه الصلاة والسلام أم يتبعون العالم الفاضل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت