في كل مايقول دون تبصر في قوله؟ ألا ترى أن السيدة عائشة رضي الله عنها لما خرجت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في يوم الجمل. فقال عمار بن ياسر رضي الله عنهما - محذرًا المسلمين من متابعتها - (إن عائشة قد سارت إلى البصرة، والله إنها لزوجة نبيكم عليه الصلاة والسلام في الدنيا والآخرة، ولكن الله تبارك وتعالى ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هي) [1] ، وروى أيضا بسنده عن أبي وائل قال: قام عمار على منبر الكوفة فذكر عائشة وذكر مسيرها وقال (إنها زوجة نبيكم عليه الصلاة والسلام في الدنيا والآخرة، ولكنها مما ابتليتم) [2] ؟، ألا ترى إلى قول عمار (ولكن الله تبارك وتعالى ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هي؟) وقال أيضا (ولكنها مما ابتليتم) . فهكذا يبتلي الله الناس بخطأ العالم الفاضل وأمرنا رسول الله عليه الصلاة والسلام بألا نتابعه فقال (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) [3] . ومع ذلك فإن المفتونين بأخطاء العلماء كثيرون، ولهذا قال بعض السلف] زلة العالم كالسفينة تغرق ويغرق معها خلق كثير [[4] .
والخلاصة: أنه إذا تبيّنت لك الحكمة في وقوع الأخطاء والضلالات، وأن الله جعلها فتنة واختبارًا للناس، فاحذر أن تكون من المفتونين خاصة إذا جرى الخطأ على ألسنة الفضلاء من أهل العلم. نسأل الله تعالى أن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه وأن يرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه، وأن يثبت قلوبنا على دينه وصراطه المستقيم، وأن يختم لنا بخاتمة السعادة وسائر المسلمين، آمين.
2 -خطورة السكوت عن الأخطاء في الدين.
حاصل السكوت عن الأخطاء في علوم الدين هو تبديل الدين وطمس معالمه بسبب تراكم الأخطاء عبر السنين والقرون مع عدم الإنكار والتغيير، حتى لايعرف المتأخرون إلا الدين المبدَّل ويحسبونه الحق ولايدرون عن الدين الحق شيئا وإذا أُخبروا به أنكروه، فيصير المعروف منكرًا، كما يصير المنكر معروفا. وهذا ماوقع لأصحاب الأديان السابقة كاليهود والنصارى وكما بدّل العرب دين إبراهيم عليه السلام قبل بعثة النبيعليه الصلاة والسلام.
ولما كان نبينا محمد عليه الصلاة والسلام هو آخر الأنبياء لانبي بعده، ودينه الإسلام هو آخر الأديان في هذه الدنيا، فقد قضى الله بحفظ هذا الدين من التبديل والتحريف لتبقى حجته قائمة على خلقه إلى يوم القيامة سالمة من التحريف. ومن هنا قال أبو حاتم الرازي رحمه الله 277هـ] لم يكن في أمةٍ من الأمم منذ خلق الله آدم أمناء يحفظون آثار الرسل إلا في هذه الأمة [[5] .
ومع ذلك فقد تتراكم الأخطاء والبدع والضلالات حتى يُرمى من يتكلم بالحق بكل بدعةٍ وشناعة ٍ، وحتى يصير الحق غريبا فلا يعرفه من الناس إلا الرجل أو الرجلان، ومن هذا ماوقع للحافظ عبدالغني المقدسي 600 هـ - وهو صاحب كتاب (عمدة الأحكام) في أحاديث الأحكام، وكتاب (الكمال في أسماء الرجال) ، وهو ابن أخي الموفق بن قدامة
(1) رواه البخاري
(2) (الأحاديث 7100 و 7101 بصحيح البخاري)
(3) رواه مسلم
(4) رواه ابن عبدالبر في (جامع بيان العلم)
(5) ذكره الخطيب البغدادي في (شرف أصحاب الحديث) ص 43