الحنبلي صاحب (المغني) - وقد ذكر قصته ابن كثير فقال] فحوّل عبدالغني ميعاده إلى بعد العصر فذكر يوما عقيدته على الكرسي، فثار عليه القاضي ابن الزكي وضياء الدين الدولعي، وعقدوا له مجلسًا في القلعة يوم الاثنين الرابع والعشرين من ذي القعدة سنة خمس وتسعين - وخمسمائة - وتكلمو معه في مسألة العلوّ والنزول ومسألة الحرف والصوت، وطال الكلام وظهر عليهم بالحجة، فقال له برغش نائب القلعة: كل هؤلاء على الضلالة وأنت على الحق؟ قال: نعم، فغضب برغش من ذلك وأمره بالخروج من البلد [[1] . وأدرجت في كلامه كلمة - وخمسمائة - ليتضح التاريخ، ويريد ابن كثير بكلمة (ميعاده) أي ميعاد درسه. وقد حدث قريب من هذا مع شيخ الإسلام ابن تيمية [2] . ورُمي أيضا شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله بكل بدعة ٍ وشناعة [3] ، ولكن رغم تراكم الضلالات وغربة الحق فإن الله يقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، (وَيُحِقُّ اللّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) يونس: 82، (لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) الأنفال: 8، هذا وعد الله، ولايخلف الله الميعاد.
وفي بيان غربة أهل الحق وصفات أعدائهم ومخالفيهم في كل زمان، قال ابن القيم رحمه الله في قصيدته النونية:
[لا تُوحِشنّك غربةٌ بين الورى ... فالناس كالأموات في الحسبان
أو ما علمت بأن أهل السنة ... الغرباء حقًا عند كل زمان
قل لي متى سَلِمَ الرسول وصحبُه ... والتابعون لهم على الإحسان
من جاهلٍ ومعاندٍ ومنافقٍ ... ومحارب بالبغي والطغيان
وتظن أنك وارثٌ لهم وما ... ذُقْتَ الأذى في نصرة الرحمن] [4] .
وقد قضى الله تعالى بأن يحفظ هذا الدين، ومما حفظ الله به دينه:
أ - أن يَسَّر سبحانه على المسلمين حفظ القرآن في الصدور، فأصبح منقولا بالتواتر جيلا بعد جيل، فإن زاغ زائغ وأراد أن ينقص من القرآن شيئا أو يزيد عليه أو يبدل فيه ابتدره آلاف الحفاظ بالزّجر والتصحيح.
ب - أن ألهم الله علماء المسلمين وضع علوم الوسائل وهي علوم القرآن وعلوم الحديث وعلوم اللغة العربية وأصول الفقه، لضبط العلوم الأصلية - وهي الكتاب والسنة - من جهة النقل ومن جهة الاستنباط منها.
ج - أن أوجب الله تعالى على المسلمين الرد على المخطئ سواء تعمد الخطأ كأهل البدع والأهواء، أو لم يتعمده كالعلماء المجتهدين.
د - أن يَسَّر الله انتشار كتب العلوم الشرعية بأنواعها في شتى بلدان المسلمين ولم تعد من أسرار الكهنوت الدفينة، بحيث لو أراد رجل بأقصى المشرق أن يبدّل فيها لرّد عليه من بأقصى المغرب فمَن دونه، لايخفى من هذا شئ، وكمّ
(1) (البداية والنهاية) 13/ 39
(2) انظر مناظرة العقيدة الواسطية (بمجموع الفتاوى) 3/ 160 - 277، وذكر ابن كثير خبر هذه المناظرات في كتابه (البداية والنهاية) آخر ج 13، وأول ج14
(3) انظر (الرسائل الشخصية) له، وانظر (دعاوي المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب) لعبدالعزيز العبداللطيف
(4) (شرح القصيدة النونية) 2/ 127، ط مكتبة ابن تيمية 1407ه