جُرح رجال بسبب ذلك.
بهذا حفظ الله تعالى على المسلمين دينهم، والكتب الشرعية وإن جمعت بين السمين والغث من الأقوال والآراء، إلا أن الإنسان إذا بحث عن الحق - متجردًا لله من كل هوى أو عصبية - وجده بكل يُسر، هذا وعدُ الله، لايخلف الله الميعاد، قال تعالى (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) العنكبوت: 69.
قال ابن تيمية رحمه الله - في حفظ الله تعالى لهذا الدين -] وهذا الجنس ونحوه من علم الدين قد التبس عند أكثر المتأخرين حقه بباطله، فصار فيه من الحق مايوجب قبوله، ومن الباطل مايوجب رده، وصار كثير من الناس على طرفي نقيض.
قوم كذّبوا به كله لما وجدوا فيه من الباطل.
وقوم صدقوا به كله لما وجدوا فيه من الحق، وإنما الصواب التصديق بالحق والتكذيب بالباطل، وهذا تحقيق لما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام عن ركوب هذه الأمة سنن من قبلها حذو القذة بالقذة.
فإن أهل الكتابين لبسوا الحق بالباطل، وهذا هو التبديل والتحريف الذي وقع في دينهم، ولهذا يتغير الدين بالتبديل تارة، وبالنسخ أخرى، وهذا الدين لاينسخ أبدًا لكن يكون فيه من يُدخِل من التحريف والتبديل والكذب والكتمان مايلبس به الحق بالباطل، ولا بد أن يقيم الله فيه من تقوم به الحجة خلفًا عن الرسل، فينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، فيحق الله الحق ويبطل الباطل ولو كره المشركون [[1] .
هذا ما يتعلق ببيان خطورة السكوت عن الخطأ في الدين، وبيان أن الخطأ لابد أن يقع، وأما السكوت عنه فإن وقع من البعض إلا أنه يستحيل أن يتواطؤ عليه مجموع المسلمين لما قضى الله تعالى من حفظ هذا الدين.
3 -بيان وجوب التنبيه على الخطأ في الدين ووجوب التحذير منه:
اعلم أن الأدلة على هذا الوجوب كثيرة، فمنها:
أ - قوله تعالى (وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) النحل: 64. فبيّن الله جل وعلا أن بيان الحق في مواضع الاختلاف هو من واجبات الأنبياء، ولما كان العلماء ورثة الأنبياء، فقد وجب عليهم ماوجب على الأنبياء عليهم السلام. ومثل هذه الآية قوله تعالى (فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) البقرة: 213، وقوله تعالى (وَلَمَّا جَاء عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ) الزخرف:63، وقال تعالى (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) النمل: 76، ونحوها من الآيات التي تبين أن بيان الحق في مواضع الاختلاف هو من عمل الأنبياء، والعلماء ورثتهم وقائمون مقامهم في الأمة.
ب - قوله تعالى (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ
(1) (مجموع الفتاوى) ج 11 ص 434 - 435