ج - وقال أبو حامد الغزالي رحمه الله 505 هـ] بيان الأعذار المرخصة في الغيبة: اعلم أن المرخص في ذكر مساوئ الغير هو غرض صحيح في الشرع لايمكن التوصل إليه إلا به فيدفع ذلك إثم الغيبة، وهي ستة أمور - إلى أن قال - الرابع: تحذير المسلم من الشر، فإذا رأيت فقيهًا يتردد إلى مبتدع أو فاسق، وخفت أن تتعدى إليه بدعته وفسقه، فلَكَ أن تكشف له بدعته وفسقه [[1] .
وقال الغزالي أيضا - في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -]ومنها كلام القُصَّاص والوُعّاظ الذين يمزجون بكلامهم البدعة، فالقاصّ إن كان يكذب في أخباره فهو فاسق والإنكار عليه واجب، وكذا الواعظ المبتدع يجب منعه ولايجوز حضور مجلسه إلا على قصد إظهار الرد عليه، إما للكافة إن قدر عليه أو لبعض الحاضرين حواليه، فإن لم يقدر فلايجوز سماع البدع، قال تعالى لنبيه (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) الأنعام: 68، ومهما كان كلامه مائلا إلى الإرجاء وتجرئه الناس على المعاصي، وكان الناس يزدادون بكلامه جرأة وبعفو الله وبرحمته وثوقًا يزيد بسببه رجاؤهم على خوفهم فهو منكر، ويجب منعه عنه لأن فساد ذلك عظيم، بل لو رجّح خوفهم على رجائهم فذلك أليق وأقرب بطباع الخلق فإنهم إلى الخوف أحوج [[2] . فانظر إلى تغليظه في شأن من يجرئ الناس على المعاصي، فكيف بمن يجرئ الناس على الكفر، من الذين يقولون للكافر - كالحاكم والقاضي بغير ماأنزل الله - إنك لم تكفر لأنك لم تعتقد أو تستحل أو تجحد أو تستخف؟.
د - وقال القاضي عياض رحمه الله 544ه - في الأحوال التي يجوز فيها حكاية الأقوال المكفّرة كسَبّ النبي عليه الصلاة والسلام - قال]فإن كان القائل لذلك - أي للسبّ - ممن تصدى لأن يؤخذ عنه العلم أو رواية الحديث أو يُقطع بُحكمه أو شهادته أو فتياه في الحقوق، وَجَب على سامعه الإشادة بما سمع منه والتنفير للناس عنه، والشهادة عليه بما قاله، ووجب على من بَلَغَه ذلك من أئمة المسلمين إنكاره وبيان كُفره وفساد قوله، لقطع ضرره عن المسلمين وقياما بحق سيد المرسلين عليه الصلاة والسلام. وكذلك إن كان ممن يعظ العامة أو يؤدب الصبيان، فإن مَنْ هذه سريرته لايؤمن على إلقاء ذلك في قلوبهم، فيتأكد في هؤلاء الإيجاب لحقّ النبي عليه الصلاة والسلام، ولحقّ شريعته، - إلى قوله - وقد أجمع السلف على بيان حال المتهم في الحديث فكيف بمثل هذا؟ [[3] .
هـ - وقال النووي رحمه الله 676ه - في آداب المعلم مع المتعلم -]ويبيّن الدليل الضعيف لئلا يغتر به، فيقول استدلوا بكذا وهو ضعيف لكذا، ويبين الدليل المعتمد ليُعتمد، ويبين له مايتعلق بها من الأصول والأمثال والأشعار واللغات وينبههم على غلط من غلط فيها من المصنفين، فيقول مثلا هذا هو الصواب وأما ماذكره فلان فغلط أو فضعيف قاصدًا النصيحة لئلا يغتر به، لا لتنقص للمصنّف [[4] ، وقال النووي أيضا]فإن كان - أي المعلم الآخر - فاسقا أو
(1) (إحياء علوم الدين) ج 3 ص 161 - 162. وقد نقل النووي كلام الغزالي هذا في فصل (مايباح من الغيبة) بكتابيه (الأذكار) و (رياض الصالحين)
(2) (إحياء علوم الدين) 2/ 365
(3) (الشفا) ط الحلبي، 2/ 997 - 998
(4) (المجموع) 1/ 31