رابعا - ثم تكلم البخاري في التحذير من الاختلاف والتفرق، وهما نقيضا الاعتصام كما قال (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) آل عمران: 103 - 105. فالتفرق والاختلاف نقيضان للاعتصام ولهذا نهى الله عنهما.
وذلك في باب 5: ما يُكره من التنازع.
وفي باب 26: كراهية الخلاف.
خامسا - ثم ذكر البخاري أن الخلاف واقع في هذه الأمة لامحالة.
في باب 11 وفيه حديث (أو يلبسكم شيعا) .
وفي باب 14 وفيه حديث (لتتبعن سنن من كان قبلكم) ، وقد تفرق من كان قبلنا فلابد أن تفترق هذه الأمة كما أخبر الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام.
ولم يذكر البخاري في الاستدلال لهذا حديث الفرق لكونه ليس على شرطه. أما أسباب اختلاف المسلمين وتفرقهم فهى أسباب الانحراف المذكورة في (ثالثًا) أعلاه.
سادسا - ثم ذكر البخاري أنه رغم اختلاف الأمة وتفرقها فستبقى طائفة منها على الحق إلى قيام الساعة، وهي الطائفة المنصورة والتي على رأسها جماعة العلماء العاملين، إرشادًا منه إلى الطائفة التي يجب على المسلم أن يلتزمها لينجو من الضلالة والانحراف.
ذكر هذا في الأبواب 10 و 19.
هذه هي مسائل موضوع الاعتصام كما وردت بصحيح البخاري، وقد رأيت كيف تكلم في الاعتصام وفي نقيضه وهو الاختلاف. ففي الاعتصام ذكر فضله وأصوله وأسباب الانحرف عنه وسد ذرائع هذه الأسباب. وفي الاختلاف ذكر أسبابه وسد ذرائعها، وذكر النهي عنه ثم ذكر وقوعه قدرًا في هذه الأمة مع بقاء طائفة منها على الحق.
وبهذا جاء كتاب الاعتصام بصحيح البخاري وافيا بمسائل هذا الموضوع، وكان البخاري رحمه الله موفقا فيه كل التوفيق، كما كان موفقا في الصحيح كله، حتى اتفقت الأمة على أن صحيحه هو أصح كتاب تحت أديم السماء بعد كتاب الله تعالى، وصدق في البخاري قول شيخه قتيبة بن سعيد:] لو كان محمد بن إسماعيل - البخاري - في الصحابة لكان آية ً [[1] . ولكن قد قال الله تعالى (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) القصص: 68، فلعل الله تعالى قد أراد خلق البخاري في زمانه ليحفظ به سنة نبيه عليه الصلاة والسلام، وهو وغيره من أئمة هذا العلم.
(1) (ذكره ابن حجر في «هدي الساري» ص 482)