الْمِهَادُ) آل عمران: 196 - 197، وقال تعالى (وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ، وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ، وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ) الزخرف: 33 - 35، وهكذا ترى الكفار في هذه الدنيا أصحاب مال وصحة وجمال وأصحاب خبرة وتمكُّن في علوم الدنيا وهذه فتنة لهم وللمؤمنين في آنٍ واحد.
والخلاصة: أن مخالطة الكافرين والتشبه بهم فضلا عن متابعتهم مفسدة لدين المسلمين ولدنياهم على السواء، وقد وردت الشريعة بسد ذرائع هذا الفساد.
وبالرغم من هذا الحظر الشرعي فقد أخبر الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام أن قَدَر الله بخلاف ذلك، وأن طوائف من هذه الأمة ستتبع سُنن الكافرين من أهل الكتاب والمشركين، فقال عليه الصلاة والسلام (لتتبعن سَنَن من كان قبلكم شبرًا شبرًا وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموه) قلنا: يارسول الله اليهود والنصارى؟ قال (فَمَن؟) متفق عليه. وقال عليه الصلاة والسلام (لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبرًا بشبر وذراعا بذراع) فقيل: يارسول الله كفارس والروم؟، فقال (ومن الناس إلا أولئك؟) [1] . والسَّنَن بفتح السين جمع سُنة وهي الطريقة حسنة كانت أو سيئة، والحديثان وإن وردا بصيغة الخبر إلا أنهما خرجا أيضا مخرج الزجر والتحذير. وهذان الحديثان خبر عن بعض الأمة لا جميعها لِماَ ثبت من بقاء طائفة منها على الحق.
وقد وقع كثير من المسلمين في التشبه بالكافرين منذ زمن بعيد حتى إن المرء ليعجب مما ذكره أبو عبدالله بن بطة (ت 387ه) فقد أورد هذا الحديث السابق وغيره ثم قال رحمه الله] فلو أن رجلًا عاقلا أمعن النظر اليوم في الإسلام وأهله لعلم أن أمور الناس تمضي كلها على سنن أهل الكتابين وطريقتهم، وعلى سُنّة كسرى وقيصر وعلى ماكانت عليه الجاهلية، فما طبقة من الناس وماصنف منهم إلا وهم في سائر أمورهم مخالفون لشرائع الإسلام وسُنة الرسول عليه الصلاة والسلام، مضاهون فيما يفعل أهل الكتاب والجاهلية قبلهم، فإن صَرَفَ بصره إلى السلطنة وأهلها وحاشيتها ومن لاذ بها من حكامهم وعمالهم وجد الأمر كله فيهم بالضد مما أمِروا به ونُصبوا له في أفعالهم وأحكامهم وزيهم ولباسهم، وكذلك في سائر الناس بعدهم من التجار والسوقة وأبناء الدنيا وطالبيها من الزراع والصنّاع والأُجَراء والفقراء والقرّاء والعلماء إلا من عصمه الله، ومتى فكرت في ذلك وجدت الأمر كما أخبرتك في المصائب والأفراح وفي الزي واللباس والآنية والأبنية والمساكن والخدام والمراكب والولائم والأعراس والمجالس والفرش والمآكل والمشارب، وكل ذلك فيجري خلاف الكتاب والسنة بالضدّ مما أُمِر به المسلمون ونُدبَ إليه المؤمنون، وكذلك من باع واشترى ومَلَك واقتنى واستأجر وزرع وزارع، فمن طلب السلامة لدينه في وقتنا هذا مع الناس عَدِمَها، ومن أحب أن يلتمس معيشة على حكم الكتاب والسنة فقدها، وكثر خصماؤه وأعداؤه ومخالفوهُ ومبغضوه فيها، فالله المستعان، فما أشد تعذر السلامة في
(1) متفق عليه