السلف [[1] .
ويدخل في هذه القاعدة لفظ «التصوف» فهو لفظ حادث مجمل لم يرد به كتاب أو سنة، وعلى هذا فينبغي ألا نُقِرّ به ولا ننكره حتى نتبيّن المراد به.
فإن قيل: إن التصوف يراد به الزهد والإعراض عن زخارف الدنيا مع الورع والاشتغال بتهذيب النفس وترقيق القلب والتأهب للقاء الله تعالى. فنقول هذا كله حق بشرطين: أحدهما: عدم الغلو في هذا لأن التشدد مظنة الانقطاع والانحراف وقد تضافرت أدلة الشريعة على ذم الغلو. والشرط الثاني: أن نسمي هذه العبادات والطاعات بأسمائها الشرعية كالورع والزهد والخشية ونحو ذلك مادامت لها أسماء شرعية دون الحاجة لاستعمال ألفاظ مبتدعة كلفظ التصوف، فلا خلاف في أنه لفظ حادث مبتدع، ولايجوز استعمال لفظ مبتدع مع وجود اللفظ الشرعي، قال تعالى (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى) النجم: 23، فلا يجوز العدول عن الإسم الشرعي إلى الإسم البدعي.
وإن قيل - وهو ما نراه بأعيننا ونسمعه بآذاننا: إن التصوف يعني عبادة المقبورين بدعائهم والاستغاثة بهم والنذر لهم وإقامة الموالد لهم مع اختلاط الرجال بالنساء، مع ترديد الأوراد المبتدعة والإنشاد مع الرقص بالألحان المطربة، وأكل ماذبح على النُصب وهي الذبائح المنذورة للمقبورين. أو قيل لنا: إن التصوف هو اعتقاد قيام الأولياء من الأقطاب وغيرهم بتدبير شئون الكون في ديوانهم المزعوم، أو إن التصوف هو اعتقاد وجود باطن للدين غير ظاهره، أو إنه اعتقاد وحدة الوجود (الحلول والاتحاد) وما ينبني عليها من وحدة الأديان إلى غير ذلك. فنقول: إن هذا كفر أكبر وفسق وفجور سواء سموه تصوفًا أو غير ذلك، فالعبرة في الأمور بحقائقها لا مسمياتها.
فهذا ما نقرّه وما ننكره من التصوف، مع تمسكنا بالأسماء الشرعية فيما نقره من التصوف.
وتكلم شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا فقال: إن من الناس من ذم «الصوفية والتصوف» ، ومنهم من غلا فيهم وقال إنهم أفضل الخلق. قال ابن تيمية: والصواب أنهم مجتهدون في طاعة الله ففيهم السابق المقرَّب، وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين، ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه عاص لربه. وقد انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة، ولكن عند المحققين من أهل التصوف ليسوا منهم: كالحلاّج مثلا، فإن أكثر مشايخ الطريق أنكروه وأخرجوه عن الطريق مثل: الجنيد بن محمد سيد الطائفة وغيره. فهذا أصل التصوف، ثم إنه بعد ذلك تشعّب وتنوع وصارت الصوفية ثلاثة أصناف.
صوفية الحقائق: فهم الذين وصفناهم.
وصوفية الأرزاق: فهم الذين وقفت عليهم الوقوف.
وصوفية الرسم: فهم المقتصرون على النسبة فَهمُّهُم في اللباس والآداب الوضعية. [2] .
(1) (شرح السنة) 1/ 269، ط المكتب الإسلامي. وفي بيان هذه القاعدة في الألفاظ المجملة راجع أيضا كتاب (لوامع الأنوار البهية) للسفاريني، هامش ص 182 - 189 بالجزء الأول منه، ط 3 المكتب الإسلامي 1411 هـ
(2) هذا كلام ابن تيمية ذكرته باختصار وتصرف يسيرين من (مجموع الفتاوى) 11/ 71 - 20، يصف فيه أصناف الصوفية