وأدلته من أجل اثبات هذا الأمر أو نفيه، ويسمى الأمر - المطلوب اثباته أو نفيه - بموضوع المناظرة أو محل النزاع. وهذا التعريف من وضعي.
وتسمى المناظرة أيضا: بالمجادلة أو الجدال، وتسمى بالمحاججة، وتسمى بالمماراة أو المراء، وتسمى بالمحاورة أو الحوار. وكل هذه المصطلحات وردت في القرآن للدلالة على هذا المعنى باستثناء لفظ المناظرة.
2 -أقسام الجدال:
مدح الله تعالى الجدال وأمر به في مواضع من كتابه، وذَمَّه ونهى عنه في مواضع أخرى، وكلام الله لايختلف ولايتناقض، فعُلِم بذلك أن الجدال الذي مدحه وأمر به غير الذي ذمّه ونهى عنه، وتبيّن لنا بذلك أن الجدال قسمان: محمود ومذموم.
القسم الأول: الجدال المحمود.
وهو الذي مقصوده: الدعوة إلى الله، وإظهار الحق ونصرِه، وإبطال الباطل وإظهار فساده، ويدل عليه:
قوله تعالى (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) النحل: 125.
وقوله تعالى (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ) الأنعام: 83.
وقوله تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ) - إلى قوله - (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ) البقرة: 258.
وقوله تعالى (قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا) هود: 32.
فهذه الآيات في مجادلة المؤمنين للكافرين، والمجادلة لأجل إظهار الحق جائزة أيضا بين المؤمنين ومنها الحديث الصحيح في مجادلة آدم وموسى عليهما السلام في الاحتجاج بالقدر، ومنها تناظر الصحابة في سقيفة بني ساعدة لاختيار خليفة لرسول الله عليه الصلاة والسلام، وتناظر أبي بكر وعمر في قتال مانعي الزكاة، وتناظر عمر وأبي عبيدة في حديث الطاعون، وكل هذا قد صحّت فيه الأحاديث. وناظر ابن عباس الخوارج حتى عاد منهم كثير.
قال أبو عمر بن عبدالبر [نهى السلف رحمهم الله عن الجدال في الله جل ثناؤه: في صفاته وأسمائه، وأما الفقه فأجمعوا على الجدال فيه والتناظر لأنه علم يحتاج فيه إلى ردّ الفروع على الأصول للحاجة إلى ذلك، وليس الاعتقادات كذلك] [1] .
وفي شرح قوله عليه الصلاة والسلام (اقرؤا القرآن ماائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فيه فقوموا) [2] ، قال النووي [والأمر بالقيام عند الاختلاف محمول عندالعلماء على اختلافٍ لايجوز، أو اختلاف ٍ يوقع فيما لايجوز كاختلاف في نفس القرآن أو في معنى منه لايسوغ فيه الاجتهاد، أو اختلاف يوقع في شك أو شبهة أو فتنة وخصومة أو شجار ونحو ذلك. وأما الاختلاف في استنباط فروع الدين منه ومناظرة أهل العلم في ذلك على سبيل الفائدة واظهار الحق واختلافهم في ذلك، فليس منهيًا عنه، بل هو مأمور به وفضيلة ظاهرة، وقد أجمع المسلمون على هذا من عهد الصحابة إلى الآن، والله أعلم] [3] .
هذا الجدال المحمود.
القسم الثاني: الجدال المذموم، ومنه:
(1) (جامع بيان العلم) 2/ 92
(2) متفق عليه
(3) (صحيح مسلم بشرح النووي) 16/ 218 - 219