ضَلَّ )) .
مضى على علم الحديث -مع الأسف الشديد- قرون لا أحد من أهل العلم يرفع رأسه إليه إلَّا أفراد قليلين جدًا، وكأن هذا العلم دُرِسَ وانتهى أمره. الآن فاء الناس لهذا العلم و [ .. ] كانت فيئتهم أمرًا طبيعيًا مع الفيئة الأخرى التي أنقذتهم من الجمود المذهبي -من التقليد المذهبي- فاستلزم هذه اليقظة إلى الإهتمام بعلم الحديث لأن الفقه الذي يُراد تمييز الأقوال المختلفة فيه، لا شك أنه لا سبيل إليه إلا بعلم الحديث، فتنبهوا إلى خطورة علم الحديث ولأهميته، فاهتموا بذلك اهتمامًا كبيرًا، وبخاصة في بعض الجامعات.
وأنا أذكر حينما كنت أستاذًا في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة أن الطلاب كانوا يقبلون على علم الحديث بصورة خاصة -الذي كنت أدرسه- وكانوا يلاحقوننا كما تلاحقوننا تمامًا، لماذا؟ لشعورهم أنهم بحاجة إلى هذا العلم.
وأذكر جيدًا أن الحركة التي جدت في الجامعة الإسلامية كانت حركة عجيبة وعجيبة جدًا بحيث أن الأساتذة أنفسهم قد اضطروا إلى أن لا يتوسعوا في رواية الأحاديث إلا متحفظين؛ لأنهم وجدوا أمامهم طلابًا كلما أورد شيخ الفقه أو التفسير أو الأصول حديثًا؛ قالوا: يا أستاذ! هذا الحديث من رواه؟ وما صحته؟ وهذا لم يكن في أي جامعة في الدنيا من قبل! فصار هناك حركة.
وأذكر -بالمناسبة- الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق -لعلكم تسمعون به أو تعرفونه- كان من ضمن الطلاب الذين أدرس لهم في السنة الثانية والثالثة-؛ جائني ذات يوم؛ وقال: يا أستاذ! حديث معاذ بن جبل: (( بم تحكم؟ قال: بكتاب الله ... إلى آخره ) )، هل هذا حديث صحيح؟
قلت: لا، هذا حديث منكر، وتحدثت معه قليلاً في هذا الصدد؛ قال: الأستاذ فلان أستاذ الأصول أورده؛ قلت: هذا أمر مبتلى به كتب الأصول، وما شابه الأصول؛ حيث يوردونه بمناسبة القياس.
في الدرس التالي قام عبد الرحمن عبد الخالق يقول لأستاذه: يا أستاذ! أنت أوردت الحديث الفلاني في الدرس الماضي وإذا هو حديث لا يصح؛ بل هو منكر؛ قال له: إيش درَّاك؟ قال: