والناس انقسموا في هذا الموضع إلى ثلاث فرق
فرقة قالت إن النصوص لا تحيط بأحكام الحوادث وغلا بعض هؤلاء حتى قال ولا بعشر معشارها قالوا فالحاجة إلى القياس فوق الحاجة إلى النصوص ولعمر الله إن هذا مقدار النصوص في فهمه وعلمه ومعرفته لا مقدارها في نفس الأمر واحتج هذا القائل بأن النصوص متناهية وحوادث العباد غير متناهية وإحاطة المتناهي بغير المتناهي ممتنع وهذا احتجاج فاسد جدا من وجوه أحدها أن ما لا تتناهى أفراده لا يمتنع أن يجعل أنواعا فيحكم لكل نوع منها بحكم واحد فتدخل الأفراد التي لا تتناهى تحت ذلك النوع الثاني أن أنواع الأفعال بل والأعراض كلها متناهية والثالث أنه لو قدر عدم تناهيها فإن أفعال العباد الموجودة إلى يوم القيامة متناهية وهذا كما تجعل الأقارب نوعين نوعا مباحا وهو بنات العم والعمة وبنات الخال والخالة وما سوى ذلك حرام وكذلك يجعل ما ينقض الوضوء محصورا وما سوى ذلك لا ينقضه وكذلك ما يفسد الصوم وما يوجب الغسل وما يوجب العدة وما يمنع منه المحرم وأمثال ذلك وإذا كان أرباب المذاهب يضبطون مذاهبهم ويحصرونها بجوامع تحيط بما يحل ويحرم عندهم مع قصور بيانهم فالله ورسوله المبعوث بجوامع الكلم أقدر على ذلك فإنه ص - يأتي بالكلمة الجامعة وهي قاعدة عامة وقضية كلية تجمع أنواعا وأفرادا وتدل دلالتين دلالة طرد ودلالة عكس
وهذا كما سئل ص - عن أنواع من الأشربة كالبتع والمزر وكان قد أوتي جوامع الكلم فقال كل مسكر حرام و كل عمل ليس عليه أمرنا هو رد و كل قرض جر نفعا فهو ربا وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل و كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه وكل أحد أحق بماله من ولده ووالده