والحوالة على الأول أوضح لأرباب الألفاظ وعلى الثاني أوضح لأرباب المعاني والفهم والتدبر
وقد يعرض لكل من الفريقين ما يخل بمعرفة مراد المتكلم فيعرض لأرباب الألفاظ التقصير بها عن عمومها وهضمها تارة وتحميلها فوق ما أريد بها تارة ويعرض لأرباب المعاني فيها نظير ما يعرض لأرباب الألفاظ فهذه أربع آفات هي منشأ غلط الفريقين
ونحن نذكر بعض الأمثلة لذلك ليعتبر به غيره فنقول
قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون فلفظ الخمر عام ففي كل مسكر فإخرج بعض الأشربة المسكرة عن شمول اسم الخمر لها تقصير به وهضم لعمومه بل الحق ما قاله صاحب الشرع كل مسكر خمر وإخراج بعض أنواع الميسر عن شمول اسمه لها تقصير أيضا به وهضم لمعناه فما الذي جعل النرد الخالي عن العوض من الميسر وأخرج الشطرنج عنه مع أنه من أظهر أنواع الميسر كما قال غير واحد من السلف إنه ميسر وقال كرم الله وجهه هو ميسر العجم
وأما تحميل اللفظ فوق ما يحتمله فكما حمل لفظ قوله تعالى يا أيها الذين أمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم وقوله في آية البقرة إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها تديرونها بينكم مسألة العينة التي هي ربا بحيلة وجعلها من التجارة لعمر الله إن الربا الصريح تجارة للمرابي وأي تجارة وكما حمل قوله تعالى فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره على مسألة التحليل وجعل التيس المستعار الملعون على لسان رسول الله ص - داخلا في اسم الزوج وهذا في التجارة يقابل الأول في التقصير
ولهذا كان معرفة حدودها ما أنزل الله على رسوله أصل العلم وقاعدته وأخيته التي يرجع إليها فلا يخرج شيئا من معاني ألفاظه عنها ولا يدخل فيها ما ليس منها بل يعطيها حقها ويفهم المراد منها