والدلالة ولا يضيع حقا يعلم كل أحد ظهوره وحجته بل لما ظنا هذا من ظنه ضيعوا طريق الحكم فضاع كثير من الحقوق لتوقف ثبوتها عندهم على طريق معين وصار الظالم الفاجر ممكنا من ظلمه وفجوره فيفعل ما يريد ويقول لا يقوم علي بذلك شاهدان اثنان فضاعت حقوق كثيرة لله ولعباده وحينئذ أخرج الله أمر الحكم العلمي عن أيديهم وأدخل فيه من أمر الإمارة والسياسة ما يحفظ به الحق تارة ويضيع به أخرى ويحصل به العدوان تارة والعدل أخرى ولو عرف ما جاء به الرسول على وجهه لكان فيه تمام المصلحة المغنية عن التفريط والعدوان
وقد ذكر الله سبحانه نصاب الشهادة في القرآن في خمسة مواضع فذكر نصاب شهادة الزنا أربعة في سورة النساء وسورة النور وأما في غير الزنا فذكر شهادة الرجلين والرجل والمرأتين في الأموال فقال في آية الدين واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان فهذا في التحمل والوثيقة التي يحفظ بها صاحب المال حقه لا في طرق الحكم وما يحكم به الحاكم فإن هذا شيء وهذا شيء وأمر في الرجعة بشاهدين عدلين وأمر في الشهادة على الوصية في السفر باستشهاد عدلين من المسلمين أو آخرين من غيرهم وغير المؤمنين هم الكفار والآية صريحة في قبول شهادة الكافرين على الوصية في السفر عند عدم الشاهدين المسلمين وقد حكم به النبي ص - والصحابة بعده ولم يجىء بعدها ما ينسخها فإن المائدة من آخر القرآن نزولا وليس فيها منسوخ وليس لهذه الآية معارضة البتة ولا يصح أن يكون المراد بقوله من غيركم من غير قبيلتكم فإن الله سبحانه خاطب بها المؤمنين كافة بقوله يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم ولم يخاطب بذلك قبيلة معينة حتى يكون قوله من غيركم أيتها القبيلة والنبي ص - لم يفهم هذا من الآية بل إنما فهم ما هي صريحة فيه وكذلك أصحابه من بعده وهو سبحانه ذكر ما يحفظ به الحقوق من