بالمصالح فإن ما جعل الله سبحانه في طباع الخلق النفرة عنه ومجانبته اكتفى بذلك عن الوازع عنه بالحد لأن الوازع الطبيعي كاف في المنع منه وأما ما يشتد تقاضي الطباع له فإنه غلظ العقوبة عليه بحسب شدة تقاضي الطبع له وسد الذريعة إليه من قرب وبعد وجعل ما حوله حمى ومنع من قربانه ولهذا عاقب في الزنا بأشنع القتلات وفي السرقة بإبانة اليد وفي الخمر بتوسيع الجلد ضربا بالسوط ومنع قليل الخمر وإن كان لا يسكر إذ قليله داع إلى كثيره ولهذا كان من أباح من نبيذ التمر المسكر القدر الذي لا يسكر خارجا عن محض القياس والحكمة وموجب النصوص وأيضا فالمفسدة التي في شرب الخمر والضرر المختص والمتعدى أضعاف الضرر والمفسدة التي في شرب البول وأكل القاذورات فإن ضررها مختص بمتناولها
وأما قوله وقصر عدد المنكوحات على أربع وأباح ملك اليمين بغير حصر فهذا من تمام نعمته وكمال شريعته وموافقتها للحكمة والرحمة والمصلحة فإن النكاح يراد لوطء وقضاء الوطر ثم من الناس من يغلب عليه سلطان هذه الشهوة فلا تندفع حاجته بواحدة فأطلق له ثانية وثالثة ورابعة وكان هذا العدد موافقا لعدد طباعه وأركانه وعدد فصول سنته ولرجوعه إلى الواحدة بعد صبر ثلاث عنها والثلاث أول مراتب الجمع وقد علق الشارع بها عدة أحكام ورخص للمهاجر أن يقيم بعد قضاء نسكه بمكة ثلاثا وأباح للمسافر أن يمسح على خفيه ثلاثا وجعل حد الضيافة المستحبة أو الموجبة ثلاثا وأباح للمرأة أن تحد على غير زوجها ثلاثا فرحم الضرة بأن جعل غاية انقطاع زوجها عنها ثلاثا ثم يعود فهذا محض الرحمة والحكمة والمصلحة وأما الإماء فلما كن بمنزلة سائر الأموال من الخيل والعبيد وغيرها لم يكن لقصر المالك على