وقالوا إن الدعاء علامة محضة على حصول المطلوب لا أنه سبب فيه والأعمال الصالحة والقبيحة علامات محضة ليست سببا في حصول الخير والشر وكذلك جميع ما وجدوه من الخلق والأمر مقترنا بعضه ببعض قالوا أحدهما دليل على الآخر مقارن له اقترانا عاديا وليس بينهما ارتباط سببية ولا علة ولا حكمة ولا له فيه تأثير بوجه من الوجوه
وليس عند أكثر الناس غير أقوال هؤلاء الفرق الثلاث وطالب الحق إذا رأى ما في هذه الأقوال من الفساد والتناقض والاضطراب ومناقضة بعضها لبعض ومعارضة بعضها لبعض بقي في الحيرة فتارة يتحيز إلى فرقة منها له ما لها وعليه ما عليها وتارة يتردد بين هذا الفرق تميميا مرة وقيسيا أخرى وتارة يلقي الحرب بينهما ويقف في النظارة وسبب ذلك خفاء الطريقة المثلى والمذهب الوسط الذي هو في المذاهب كالإسلام في الأديان وعليه سلف الأمة وأئمتها والفقهاء المعتبرون من إثبات الحكم والأسباب والغايات المحمودة في خلقه سبحانه وأمره وإثبات لام التعليل وباء السببية في القضاء والشرع كما دلت عليه النصوص مع صريح العقل والفطرة واتفق عليه الكتاب والميزان
ومن تأمل كلام سلف الأمة وأئمة أهل السنة رآه يمكر قول الطائفتين المنحرفتين عن الوسط فينكر قول المعتزلة المكذبين بالقدر وقول الجهمية المنكرين للحكم والأسباب والرحمة فلا يرضون لأنفسهم بقول القدرية المجوسية ولا بقول القدرية الجبرية نفاة الحكمة والرحمة والتعليل وعامة البدع المحدثة في أصول الدين من قول هاتين الطائفتين الجهمية والقدرية والجهمية رؤس الجبرية وأئمتهم أنكروا حكمة الله ورحمته وإن أقروا بلفظ مجرد فارغ عن حقيقة الحكمة والرحمة والقدرية النفاة أنكروا كمال قدرته ومشيئته فأولئك أثبتوا نوعا من الملك بلا حمد وهؤلاء أثبتوا نوعا من الحمد