النداء، ثم يبدل التصويتات بأخرى مختلفة ومتعددة، وذلك حينما يقتصر في الدلالة على ما في ضميره بالإشارة إليه وإلى محسوساته، بحيث يجعل لكل مشار إليه محدود؛ تصويتا ما محدودا لا يستعمل ذلك التصويت في غيره. وهكذا تستمر الحال في عملية طبيعية تتميّز باستعمال آلة الإشارة وهي الإصبع من جهة، وقرع الهواء في باطن الأنف والفم واللسان من جهة أخرى، وذلك باختلاف حركة اللسان ذاته التي تستتبع تباين فطر المجتمعات الإنسانية بعضها عن بعض، ومن هنا تباينت طرائق التصويت أيضا. وذلك هو السبب الأوّل في رأي أبي نصر في اختلاف ألسنة الأمم ودلالاتها التعريفية.
ومن ثمّة يضيف الفارابي مؤكّدا أنّ تلك التصويتات هي الحروف المعجمية ذاتها .. ويحصل من ذلك تركيب بعض تلك الحروف إلى بعض كي تؤدي الدلالة بما في ضمير المتكلم، فتكون هي علامات لمحسوسات يمكن الإشارة إليها، وكذلك لمعقولات تستند إلى محسوسات يمكن الإشارة إليها أيضا .. ويتكرّر الأمر، ويتعدّد التصويت؛ فتتحدّد الدلالة، فيحفظ السامع تلك ويحتذيها، ثم يتواطأ عليها فيصطلحها اصطلاحا مع غيره من الناس. وله أن يخترع تصويتا آخر لدلالة اخرى بما يحقّق له حاجته اللغوية حتى يبلغ إلى ما يتطلع إليه من الألفاظ ومصطلحاتها ومفاهيمها، وحدودها ورسومها.
يقول الفارابي: «فإذا استقرت الألفاظ على المعاني التي جعلت علامات لها فصار واحد واحد لواحد واحد، وكثير لواحد، أو واحد لكثير، وصارت راتبة على التي جعلت دالّة على ذواتها؛ صار الناس بعد ذلك الى النسخ والتجوّز في العبارة بالألفاظ. فعبّر بالمعنى بغير اسمه الذي جعل له أولا، وجعل الاسم الذي كان لمعنى ما راتبا له دالّا على ذاته عبارة عن شيء آخر متى كان له به تعلّق ولو كان يسيرا؛ إمّا لشبه بعيد وإمّا لغير ذلك، من غير أن يجعل ذلك راتبا للثاني دالّا على ذاته. فيحدث حينئذ الاستعارات