ومجاز المقابلة نحو وجزاء سيئة سيئة مثلها ونحو قوله فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم وقيل وهو اصوب بل تسميته ذلك حقيقة على بابه فإن المكر إيصال الشيء الى الغير بطريق خفي وكذلك الكيد والمخادعة ولكنه نوعان قبيح وهو إيصال ذلك لمن لا يستحقه وحسن وهو إيصاله الى مستحقه عقوبة له فالاول مذموم والثاني ممدوح والرب تعالى إنما يفعل من ذلك ما يحمد عليه عدلا منه وحكمة وهو تعالى ياخذ الظالم والفاجر من حيث لا يحتسب لا كما يفعل الظلمة بعباده واما السيئة فهى فيعلة مما يسوء ولا ريب ان العقوبة تسوء صاحبها فهى سيئة له حسنة من الحكم العدل
وإذا عرفت ذلك فيوسف الصديق كان قد كيد غير مرة أولها ان إخوته كادوا به كيدا حيث احتالوا به في التفريق بينه وبين أبيه ثم إن امرأة العزيز كادته بما أظهرت انه راودها عن نفسها ثم اودع السجن ثم إن النسوة كادوه حتى استعاذ بالله من كيدهن فصرفه عنه وقال له يعقوب لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا وقال الشاهد لامرأة العزيز إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم وقال تعالى في حق النسوة فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن وقال الرسول ارجع الى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن ايديهن إن ربي بكيدهن عليم فكاد الله له أحسن كيد وألطفه وأعدله بأن جمع بينه وبين اخيه واخرجه من أيدي إخوته بغير اختيارهم كما أخرجوا يوسف من يد أبيه بغير اختياره وكاد له عوض كيد المرأة بأن أخرجه من ضيق السجن الى فضاء الملك ومكنه في الارض يتبوأ منها حيث يشاء وكاد له في تصديق النسوة اللاتي كذبنه وراودنه حتى شهدن ببراءته وعفته وكاد له في تكذيب امرأة العزيز لنفسها واعترافها بأنها هي التي راودته وانه من الصادقين فهذه عاقبة من صبر على كيد الكائد له بغيا وعدوانا