إذا تبين هذا فمعلوم أنه لو كان التحريم معلقا بمجرد اللفظ وبظاهر من القول دون مراعاة المقصود للشيء المحرم ومعناه وكيفيته لم يستحقوا اللعنة لوجهين
أحدهما ان الشحم خرج بجملة عن ان يكون شحما وصار ودكا كما يخرج الربا بالاحتيال فيه عن لفظ الربا إلى ان يصير بيعا عند من يستحل ذلك فإن من أراد ان يبيع مائة بمائة وعشرين الى اجل فأعطى سلعة بالثمن المؤجل ثم اشتراها بالثمن الحال ولا غرض لواحد منهما في السلعة بوجه ما وانما هي كما قال فقيه الامة دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة فلا فرق بين ذلك وبين مائة بمائة وعشرين درهما بلا حيلة البتة لا في شرع ولا في عقل ولا عرف بل المفسدة التي لأجلها حرم الربا بعينها قائمة مع الاحتيال او ازيد منها فإنها تضاعفت بالاحتيال لم تذهب ولم تنقص فمن المستحيل على شريعة أحكم الحاكمين أن يحرم ما فيه مفسدة ويلعن فاعله ويؤذنه بحرب منه ورسوله ويوعده أشد الوعيد ثم يبيح التحيل على حصول ذلك بعينه سواء مع قيام تلك المفسدة وزيادتها بتعب الاحتيال في معصية ومخادعة الله ورسوله هذا لا يأتي به شرع فإن الربا على الارض أسهل وأقل مفسدة من الربا بسلم طويل صعب التراقي يترابى المترابيان على رأسه
فيالله العجب أي مفسدة من مفاسد الربا زالت بهذا الاحتيال والخداع فهل صار هذا الذنب العظيم عند الله الذي هو من اكبر الكبائر حسنة وطاعة بالخداع والاحتيال ويالله كيف قلب الخداع والاحتيال حقيقته من الخبيث الى الطيب ومن المفسدة إلى المصلحة وجعله محبوبا للرب تعالى بعد ان كان مسخوطا له ولئن كان هذا الاحتيال يبلغ هذا المبلغ فإنه عند الله ورسوله بمكان ومنزلة عظيمة وإنه من أقوى دعائم الدين وأوثق عراه وأجل أصوله