جميعا الا ترى ان المتحيل لإسقاط الاستبراء مبطل لمقصود الشارع من حكمة الاستيراء ومصلحته فالمعين له على ذلك مفوت لمقصود الشارع محصل لمقصود المتحيل وكذلك التحيل على إبطال حقوق المسلمين التي ملكهم إياها الشارع وجعلهم أحق بها من غيرهم إزالة لضررهم وتحصيلا لمصالحهم فلوا أباح التحيل لإسقاطها لكان عدم إثباتها للمستحقين اولى واقل ضررا من ان يثبتها ويوصى بها ويبالغ في تحصيلها ثم يشرع التحيل لإبطالها وإسقاطها وهل ذلك إلا بمنزلة من بنى بناء مشيدا وبالغ في إحكامه واتقانه ثم عاد فنقضه وبمنزلة من امر بإكرام رجل والمبالغة في بره والاحسان اليه واداء حقوقه ثم اباح لمن امره ان يتحيل بأنواع الحيل لإهانته وترك حقوقه ولهذا يسيء الكفار والمنافقون ومن في قلوبهم المرض الظن بالاسلام والشرع الذي بعث الله به رسوله حيث ظنوا ان هذه الحيل مما جاء به الرسول وعلموا مناقضتها للمصالح مناقضة ظاهرة ومنافاتها لحكمة الرب وعدله ورحمته وحمايته وصيانته لعباده فإنه نهاهم عما نهاهم عنه حمية وصيانة فكيف يبيح له الحيل على ما حماهم عنه وكيف يبيح لهم التحيل على إسقاط ما فرضه عليهم وعلى إضاعة الحقوق التي احقها عليهم لبعضهم بعضا لقيام مصالح النوع الإنساني التي لا تتم إلا بما شرعه
فهذه الشريعة شرعها الذي علم ما في ضمنها من المصالح والحكم والغايات المحمودة وما في خلافها من ضد ذلك وهذا امر ثابت لها لذاتها وبائن من امر الرب تبارك وتعالى بها ونهيه عنها فالمأمور به مصلحة وحسن في نفسه واكتسى بأمر الرب تعالى مصلحة وحسنا اخر فازداد حسنا بالامر ومحبة الرب وطلبه له الى حسنه في نفسه وكذلك المنهى عنه مفسدة وقبيح في نفسه وازداد بنهى الرب تعالى عنه وبغضه له وكراهيته له قبحا الى قبحه وما كان هكذا لم يجز أن ينقلب حسنه قبحا بتغير الاسم والصورة مع بقاء الماهية والحقيقة