فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 636

عند استكشافه لتلك الحقائق الخفيّة في ثنايا عقله وبواطن شعوره، مبتدئا من البسيط إلى المركّب، ومن السهل إلى المعقّد، سالكا طريقين في منهجه هذا نحو استخراج المعاني الحقّة: أولهما (التهكم) - وهو السؤال مع تصنّع الجهل؛ كي يمهد إلى ما هو صحيح، دافعا جانبا الخطأ والضلال بتدرج منطقي يصل إلى المرحلة الثانية؛ وهي (التوليد) - حيث يعمل على استخراج (الحدّ) أو المعنى السليم من نفس صاحبه؛ فيصوغ عندئذ الدلالة التي يريد والمفهوم الذي يقصد بتكامل وتكافل، تامّين مع المنهج الذي أشرت.

فالحقائق إذن، في رأي سقراط، من الأمور التي يستكشفها العقل ويحاول أن يعبّر عنها ب (الحدّ) ، حيث يبدأ من الجزئي مرتفعا إلى الكلّي؛ ومن الأفراد الى الأنواع، في نظرة استقرائية متتابعة .. ومن هنا وصف ارسطوطاليس حكيم أثينا بأنّه: «أوّل من طلب الحدّ الكلّي طلبا مطّردا، وتوسل إليه بالاستقراء؛ وإنّما يقوم العلم على هاتين الدعامتين: يكتسب الحدّ بالاستقراء؛ ويركّب القياس بالحدّ. فالفضل راجع إليه في هذين الأمرين» . فهو- في ضوء هذه النظرة- رائد الحدود والماهيات حقّا، بل هو، كما ينعته الكثيرون، موجد فلسفة المعاني التي لعبت دورها الواسع في نظرية التعريف منذ العصر اليوناني وحتى مرحلتنا المعاصرة.

فكأنّ هذه المعاني لا تستكشف في الإنسان إلّا بطريق الحوار أو (الجدل) - لذا مال سقراط إلى أنّ العلم لا يعلّم ولا يدوّن في الكتب؛ ولكن يستخرج من باطن النفس بفرضيات مسلّمة واضحة يحدّد إزاءها المعنى المطلوب؛ ومن ثمّة نرتقي من تصوّر الى تصوّر حتى نصل إلى تصوّرات حقيقية، أو بالأحرى نصل إلى الدلالة الكلّية لهذه الأشياء التي نتفحصها ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت