فالوضوح إذن قاعدة رئيسة في مذهب التعريف السقراطي؛ أيّا كان هذا التعريف. أو كما قال حكيم أثينا نفسه «إنك لكي تعرف يجب أن تعمل صوابا، ولكي تعمل صوابا يجب أن تفهم المعرفة في أشمل وأدقّ معانيها المرتبطة بمفاهيمها المطلقة» .
إنّ مجموعة المحاورات الافلاطونية المبكّرة؛ مثل اوطيفرون ولاخس وخرميدس وهيبياس، عالجت قضايا الحدّ والتعريف بشكل مباشر. وهناك محاورات عالجته بسبيل غير مباشر مثل ليسيس وبروتوغوراس .. إنّ الأمر الرئيس الذي حقّقه لنا سقراط في بحثه عن التعريفات من خلال هذه المحاورات، ينهض على أنّ المعرفة الخلقية لا تكون معرفة صادقة إلّا بالحدّ والتعريف. وإنّ كلّ ما يحمل هذه المعرفة الخلقية، سيكون بالضرورة في حال يوصف بأنّه (خير) ولا يعمل إلّا خيرا!.
إنّ اهتمام سقراط بالتعريفات الحقيقية هذه، كان هدفه افتراض أنّها تمثّل دلالة كلّية يتوصل إليها الفرد عن طريق الحدّ ذاته؛ كما أشرنا من قبل .. ومن المفترض أنّ هناك صفات ومتعينات عامّة مشتركة في الأشياء التي يقصد تعريفها وتحديدها. فمثلا، إنّ وحدة الصورة مع تمثالها المصنوع من الحجر تدلان معا على مفهوم عام لا يتخصّص بهذه الصورة وهذا التمثال، وكذلك الأمر إذا قيس الى دلالة (الشجاعة) أو (الاعتدال) وتعريفهما. لأنّ المقصد الأساس من التعريف، كما بسطنا من قبل، هو الوقوف على الحدّ الكلّي للأشياء باعتبارها (جواهر) بذاتها.
وجميع هذه الأمور تؤدي إلى تأكيد النظرة السقراطية التي تعتمد التحليل الوصفي للأشياء وتعريفاتها خاصّة ما يتعلق منها بصور الفضائل الخلقية .. ومن هنا كان التحليل السليم، في نظر الفيلسوف، هو الذي يقود إلى وصف (الحدّ الحقّ) الذي نتبيّنه في الاخلاق. لذا أحسّ سقراط، وهو يتناول بالبحث والتنقيب هذه العملية الذهنية، بأنّه قادر على تنظير الحدود الاخلاقية وبنائها،