فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 636

ومتمكن في الوقت ذاته من الإجابة على سؤاله الخطير: «ما هو الشيء الفاضل بذاته؟» - ذلك السؤال الذي قاده الى استنباط أنّ المعرفة الصادقة تتصف ب (القبلية) أي أنّها متضمّنة في الذات، ويستخرجها الإنسان العالم من نفس الإنسان الجاهل بطرائق الجدل التي أشرنا؛ أعني بطرائق التعليم السقراطي.

ومن الواضح أنّ هذه الصورة العامة التي حصلنا عليها، سواء من المحاورات أو من أقوال اكسانوفان، تمثّل بحدّ ذاتها النظرة التي قدمها لنا ارسطوطاليس عن التعريف السقراطي.

وعلى الرغم من أنّ الطريقة السقراطية في التعريف لم تعد ذات نفع وجدوى في نظر المحدثين من المفكرين، ينبغي علينا أن لا نبخس الرجل براعته وأصالته الفلسفيتين في هذا الميدان، وتأثيراته الواضحة، وسماته البيّنة على افلاطون وارسطوطاليس واتجاهاتهما المعرفية ..

أجل؛ إنّ سقراط لم يتعامل مع نظرية الحدود- بدلالتها اليونانية- كما تعامل معها الخلف من بعده، بل اكتفى بالسؤال عن (ماهيّة) الأشياء وغاياتها، ولكن محاولته تلك فتحت، أمام المفكرين المعاصرين له، الباب على مصراعيه في الحديث عن المعرفة ووسائل الإدراك العقلي والحسّي وطبيعتهما.

ورضي هو لنفسه بالتأكيد على (فرضية التعريف) التي شادها من حيث أنّها لا تمثّل سوى تحديد لصورة الشيء أو جوهره، وليست هي كلمة تقال على طرف اللسان فحسب، ولا تصوّرا خالصا في رأس الإنسان؛ بل هي شيء موجود ومستقل في الكائن الحيّ العاقل .. لذا ينبغي رفض كلّ محاولة تهدف إلى البحث عن التمييز الميتافيزيقي أو المعرفي في نظرية التعريف السقراطية لأنّها نظرية لم يستو لها السبيل إلى تحقيق هذا التمييز.

ولعلّ في النزعة العقلية الاخلاقية التي لمسناها في التعريف السقراطي- دون الاهتمام بالجانب التجريبي للمعرفة إلّا في حالات التطبيقات الاجتماعية- ما جعل الفيلسوف أكثر ميلا إلى البحث عن معاني الأشياء وحدودها، وسيؤدي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت