البغداديّ إذن، في نهاية الأمر، هو عميلٌ رضيَ بالتقسيم الجديد، ولعب لعبته على عقول المجاهدين، ففرق جمعهم في سوريا، بعد أن اضطر للنزوح اليها لمّا عرف أنّ ثوار سوريا لن يلعبوا لعبته القذرة، ولن يتواطؤا مع النصيرية على أيّ اتفاق كان. لكن جنون العظمة وحب السيطرة، كانا حادي هذا الخائن في لعب دوره.
الأمر إذن، ليس أمر حرورية أو خوارج أو قتال مرتدين، بل هو أمر تصفية الثورة لتكريس الوضع الجديد الذي يسمح للبغدادي بأن يكون على رأس هذا الكيان الجديد، الذي يبنيه على دماء وجماجم مجاهدي السنة. وما ندرى والله كيف زينها له شيطانه، لكنه، بلا شك، بهذا التواطئ، يعتبر أكبر خائن للقضية الإسلامية في تاريخنا الحديث، لا يشاركه في هذا إلا فيصل الأردن الجدّ، وقريبٌ من دور الملك عبد العزيز في الجزيرة بالتعاون مع الانجليز.
والأخطر في مؤامرة البغداديّ هو أنّ ادعاءه للخلافة هو الخنجر المسموم في ظهر الجهاد، من حيث إنه ألزم به كافة المجاهدين في العالم، وطالب بحلّ كلّ تنظيماتهم، والخروج على أمرائهم. وهذا لا يعنى إلا أن يكونوا كلهم تحت السيطرة البعثية الصهيو-صليبية، فيدخلون في المسرحية العالمية من حيث يسحر لهم البغداديّ أنهم تحت"خلافة على منهاج النبوة"!
وقد استخدم البغداديّ، خدعة القرشية، وجنّد لاعقي الأحذية العدناني والبنعلي وأمثالهما من أغبياء العجم مثل عمر الشيشاني، لتزيين صورته، وسحر أعين الجهلة من الأغبياء العوام، الذين هم، كانوا وسيظلوا، مطية الدعايات، وأداة إنفاذ المؤامرات، ورحم الله شوقي حيث وصف شعوبنا على لسان كيوباترا:
اسمع الشعب ديون كيف يوحون اليه
ملأ الجو هتافا بحياتي قاتليه
أثر البهتان فيه وانطوى الزور عليه
يا له من ببغاء عقله في أذنيه
المؤامرة، كما أشرنا من قبل، أكبر من العدناني والبغدادي، وأمثالهما من الأراجوزات الذين تجندهم السياسة العالمية لتحقيق مآربها في شرقنا الإسلامي، الذي ما عاد والله إسلاميًا، بل قد صار فيه الإسلام غريبًا طريدًا شريدًا هاربًا من وجه طاغية إلى وجه طاغية أنكى، من الجزيرة إلى الإمارات إلى الكويت إلى مصر إلى العراق إلى سوريا المقسّمة إلى العراق المقسّم. فلا حول ولا قوة إلا بالله.
د طارق عبد الحليم
18 يولية 2014 - 20 رمضان 1435