فهرس الكتاب

الصفحة 271 من 721

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد

(1) الفصام النكد

لا شك عندي في أنّ الكثير مما نحن فيه اليوم يعود إلى العلاقة بين العلماء والعامة. فالعلماء كانوا وسيظلون هم مصدر توجيه الأمة وقيادتها، وتصحيح مسارها إن انحرفت. هكذا جرى الحال طوال قرون المجد التي عاشتها هذه الأمة

ويشهد التاريخ أن هذه العلاقة كانت على الدوام في تغيرٍ بطيء وثابت في الهبوط والتدنّي. من حيث نرى أن تلك العلاقة كانت كأقوى ما تكون في القرون الهجرية الأولى، من ناحية الكيف، كما كانت نسبة العلماء إلى العامة عالية من ناحية الكمّ. وهو ما ساعد على الاحتفاظ بالهوية الإسلامية السنية، والقوة الإسلامية السنية.

ثم تغيرت المعادلة، زادت العامة، وقلت العلماء، فزاد انتشار الجهل في نواح عديدة من الدولة الإسلامية المترامية الأطراف حينها. وكان هذا الانتشار مختلف في كثافته، طردا وعكسا، يقل الجهل ويزيد العلماء كلما اقتربنا من مركز الإسلام العلميّ الجزيرة، ومن بعدها الشام ثم العراق، والعكس. وكما صحت هذه المعادلة مكانًا، صحت زمانًا، فكلما مرّ الزمن، قلً العلماء وزاد الجهلاء تحقيقًا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في البخاري"إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا".

وما نحن فيه اليوم، هو حقبة زمنية في هذا المسلسل التاريخي الحضاريّ، الذي لا تتمايز فيه أمة عن أمة، وهو، فيما نرى، مصداق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المتفق عليه"لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ". وقد قصر كثير من العلماء دلالة هذا الحديث على اتباع هذه الأمة لغيرها في الابتداع والعادات الاجتماعية، لكننا نراه أليق في اتباع تلك الأمم في السنن الحضارية والتاريخية، التي منها تلك العادات والبدع.

وما تعانيه الأمة اليوم، من هذا المسلسل الحزين، قد استفحل واستشرى، وبانت معالمه واضحة لكلّ ناظرٍ، بعد ما أسموه الربيع العربي عامة، وأحداث الساحة الشامية العراقية خاصة، من حيث ندرة العلماء الربانيين من ناحية، واستشراء الجهل بنسبة لم تحدث في تاريخ الإسلام من قبل. ثم زاد الطين بلّة ذلك الخصام النكد بين العلماء الربانيين والعامة الدهماء بما كرسته تلك الجماعة الحرورية العوادية الساقطة، من فصام نكدٍ بين دهماء الأمة وعلمائها الأبرار، على ندرتهم.

ولمّا كان المرء مجبولًا على أن يتبع، فكان لابد لشياطين تلك الجماعة المارقة أن يجدوا بديلًا يتبعه أتباعهم، من حيث علموا إنهم لا ظهر لهم يتمسكون به، وهم أنفسهم ليسوا أهلًا للإتباع. فما كان منهم إلا أن لجئوا إلى ما تحبه النفس بعامة، وهو أن تتيع هواها. فصوروا للدهماء إنهم رؤوس بذاتهم، وأن دين الله ليس فيه عالم ولا متعلم، فما أنت عليه من هوى تراه حقًا هو الحق، ومن خالفك"فهم رجالٌ ونحن رجال"، ونحن"لا نعبد الرجال"، وصدقوا من حيث هم كاذبون. فمن الناس رجالٌ علماء، وأكثرهم رجال جهلاء، كما إننا لا نعبد الرجال، لكن لا نتخذ إلهنا هوانا"أفرأيت من اتخذ إلهه"، فهم في نأيهم عن"عبادة الرجال"عبدوا أنفسهم من حيث لا يشعرون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت