الحمد لله الذي لا يحمد سواه، المحمود على كل حال، وبكل لسان ومقال، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد
أصبحت الحالة الفوضوية التي يعيشها الشرق الأوسط، في رقعته"المسلمة"، خاصة بهذه الكثافة والسعة في التمزق والتدخل الأجنبي، غير مسبوقة في تاريخه عامة. وقد عرف المسلمون من قبل معنى سقوط الخلافة، أيام سقوط الدولة الأموية في الأندلس، وعرفوا ما تلاها من أحداث وتفرق وتنازع، أدى إلى انهيار المغرب العربيّ كدولة واحدة، وإن كان هناك محاولات أنهكتها حرب المرابطين والموحدين. وهو نفس ردّ الفعل الذي رأيناه عقب سقوط الخلافة العثمانية، وإن كان أقل حجمًا، للفارق بين المشرق العربي والمغرب العربيّ.
الواقع اليوم هو واقع فوضى أحسبها مقصودة، خُطط لها تخطيطًا بارعًا بعدما حدث في"الربيع العربيّ"مباشرة. فهي ليست تداعيات، بل هي مخططات مرسومات، تم تنسيقها لضرب الشعوب ذاتها، لا ضرب حركات فيها أو جماعات جهادية بذاتها.
فالظاهر أنّ العدو العالمي قد عرف أنّ الشعوب لا تزال فيها قدرة على توجيه الأحداث. والغريب أنهم نسوا أنّ ذلك من سنن الاجتماع البشري. الطاقة الكامنة في الشعوب المستضعفة. وقد رأوها في الثورة الفرنسية على الأخص. لكنهم اعتمدوا طويلًا على رفاهية الحاكم الظالم الموالي لهم، يكبت شعبه دون تكلفة، كما هو الحال مع جميع حكام كلّ الدويلات العربية بعد سقوط الخلافة. وليسمح لي القارئ أن أطلق عليها"دويلات"إذ ليس منها واحدة تتأهل لتكون"دولة"متكاملة الشروط،، وعلى رأسها استقلالية القرار.
شملت الخطة الجديدة كل أطراف العالم العربيّ، خاصة تلك الدويلات التي ظهر فيها مدّ"ثوري"سواء كان طبعه إسلاميا أو مخلطًا، من حيث اعتبروه تربة خصبة لإعادة الحياة في الشعب الميتة. فرأينا ما حدث في مصر، كيف وصل إسلاميون إلى سدّة الحكم، ثم سقطوا بأسرع وقت ممكن، لا ليعودوا للصراع، بل للمشانق والمعتقلات. ثم كيف سكت الغرب عن بشار، إلا جعجعة بلا طحن، أعواما يقتل ويحرق، حتى جاءت فرصة الصلح معه، بعد تمزيق الساحة الجهادية على يد كلاب أهل النار. ورأينا ما حدث في ليبيا من تأليب النزعات القبلية والإقليمية، ثم استدعاء قوى العلمانية الجبانة، وقوى الحرورية الجديدة لإيجاد جوّ عارم من الفوضى التي لا يعرف أحد لها وجهة. ثم اليمن، الذي سلمه الغرب للصفوية مقابل اتفاق نووي، وهم يعلمون أن الصفوية لن يكون لهم استقرار هناك، إذ لن يسكت السنة عليهم، فهو ترسيخ الفوضى كذلك.
الأمر أنّ المسلمين لا يعون أطراف المعادلة التي يريدون أن يغيروا أطرافها. تماما كمن يريد أن يزن شيئا بميزان أو يكيله بمكيال أويقسيه بمقياس، لكنه لا يعرف شيئًا عن الموازين أو المكاييل أو المقاييس، أنّى له أن يصل إلى وزن أو كيل أو مقاس؟
السنن الإلهية ثابتة لا تتغير ولا تستبدل، سواء في الحياة الطبيعية أو الظواهر الاجتماعية. والله قد كتب النصر للمسلمين إن أخذوا بأدواته وأعدوا له العدة. ورأينا أنّ"القوة العددية"لم تكن عامل النصر من قبل، من حيث أن العامل الانساني البحت كان عليه المعول الأكبر في النصر، حسب مفهوم"القوة"في تلك العصور.
لكن ما يجب أن يلحظه المسلمون، أنّ مفهوم"القوة"قد تبدل، ومن ثم وسائلها وطرقها. لم يعد العدد هو الحاسم في النصر، إلا في مراحله الأخيرة، ربما! ومن ثم فالشجاعة القلبية في المواجهة قد تأخر دورها في الحسم، إلى المراحل المتأخرة كذلك.