مشكلة الفكر الحروري أنّ أصحابه من كلاب أهل النار يرون الطاعات في درجة واحدة والمنهيات في درجة واحدة، فيجعلون الجهاد بالسلاح مثلًا هو الواجب المفروض، ثم يقلبون كل لون مما أوجب الله أو استحب في مدافعة العدو مذموم، مثل النفقة في سبيل الله، أو نشر العلم والتحريض على القتال، بينما قال تعالى"وحرّض المؤمنين"وقال"لا يستوى من أنفق قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة ممن أنفقوا من بعد ذلك وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى"فذكر الله الانفاق قبل القتال، ثم أتبع ذلك بقوله سبحانه"من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له"فاتبع بذكر الانفاق، فانظر إلى هؤلاء القتلة المغرورين المفتونين في دينهم كيف يقرؤون القرآن لا يتجاوز تراقيهم، صدق رسول الله.
العلم يورث الهيبة، والجهل يورث الغرور. الحلم ياتي مع القدرة، والنقمة تأتي مع الضعف. العزة توَلّد الغنى، والغنى لا يوَلّد عزة.
احرص على ما ينفعك، من صاحب أو رفيق أو خلٍّ قريب، أو كتاب علم، أو كلمات تنفض عنك جفاء القلب وتزيل عنك همّ الدنيا. آمن بالقضاء والقدر
منهجان متباينان أشد التباين عرفهما تاريخ الإسلام منذ حروراء والنهروان، أولهما يرى الإسلام نصوصا محددة لا يعتني بمعناها وراء ظاهر لفظها، ولا يرى لها مقاصد، محصلة الإيمان عندهم إنه لا يزيد ولا ينقص، خاصة في قوة الاعتقاد، وأصحابه يرون كفر من لا يرى هذا المنهج ولا يتبنى التنظيمات التي تسير عليه. وهو منهج الخوارج ما عرف الإسلام منذ خوارج عليّ إلى البغدادي. ويمتازون بسهولة قتل من يرونه مرتدًا على أصولهم، وهو عندهم أشد كفرا من اليهود والنصارى، صرح بذلك شيخ الاسلام وغيره. فهؤلاء يتلون القرآن، لا يستفيدون منه إلا ما أُشرب من هواهم. وهم في جملتهم إخلاص للدين، لكنه إخلاص انحرف عن الجادة. كما أن لهم فقه ظاهري خاص يستحلون به كثير من المحرمات.
ومنهج يرى الإسلام دائرتين لهما مركز واحد، يجتمع فيه الربانيون المخلصون الذين وصفهم الله"قد أفلح المؤمنون الذين هم ..."فذكر أحسن صفاتهم في القرآن، وتجاوز عن ذكر سيئاتهم. ثم يتدرج من المركز إلى محيط الدائرة الأولى أطياف من أصحاب التقصير والمعاصى، حتى يوشك أن يخرج أحدهم إلى الدائرة الثانية، أهل الأهواء والبدع، فإن خرج، ففيها أطياف حتى تبلغ البدع المغلظة ثم الكفر والردة. وهذا ما يمثل زيادة الإيمان ونقصه، وهو منهج أهل السنة والجماعة. وفيه اعتقاد أقوى من اعتقاد"قال بلى ولكن ليطمئن قلبي"ولا يستوى عندهم إيمان جبريل وإيمان قاتل النفس الزاني. وأهل السنة لهم فقههم الذي ينبنى على اتباع النصوص مع معانيها ومواردها واعتبار سياقها ومقاصدها، لا يل بلفط أو بمعنى.