مقولة حدود سايكس بيكو، فوالله قد كانت العراق عراقا والشام شامًا قبل أن يولد سايكس أو بيكو بعشرات القرون! هي شعار للمغفلين ليس إلا.
ولن نجزم هنا بكفر أو ببدعة في الشأن العواديّ، لكننا نؤكد أن كلا الرأيين له أدلته الفقهية والواقعية. ونؤكد أن هذا الأمر يبت فيه العلماء الربانيون دون العامة، حتى لا نقع فيما خالفناهم اليه. وأدلة استحلالهم للكذب وغيره من المفسقات أصبحت معلومة بالضرورة من حالهم. وعلى الحاين، الكفر أو البدعة، يجب قتال تلك المجموعة وأهلاك أفرادها، فمن أصابه ذلك الداء، لا أمل في علاجه إلا ما شاء الله.
كذلك ظهر على الساحة فصائل اتخذت مذهبًا علمانيا صرفًا، وإن رفعت اسم الاسلام علمًا، فقررت أنّ الديموقراطية الغربية هي طريقها إلى الحكم، وعرضت نفسها على الغرب كبديل لبشار، ينفذ مخططهم دون اعتراض. وهؤلاء هم من وقعوا في موالاة حقيقية وانخرمت عقيدتهم وسقط توحيدهم، قصدًا ووسيلة، وأصبحوا مطية للتدخل الصليبي بحجة محاربة قوم داعشٍ. ومن هنا استحلوا تلقى الدعم مشروطًا من الغرب، وإن لم يصرحوا بذلك. وعلى رأس هؤلاء قوم جنيف، وعدد من التكتلات العسكرية على الساحة.
ويجب التمييز عقديا في هذا المقام بين من انعقد قلبه ولسانه على مبدأ الديموقراطية، وبين من تحدث بالديموقراطية كوسيلة للوصول إلى الحكم بشرع الله، مكيدة بالغرب، سذاجة وسخفًا! وهؤلاء الأخر ليسوا علمانيين بل هم متأولون مبتدعون في الوسائل دون المقاصد، وإن كان لهم خطرٌ على الحركة في الشام، من ناحية"إن الله لا يصلح عمل المفسدين".
وعلى هذا التمييز، رغم دقته، يجب أن ينبني الموقف العمليّ من الفصائل المختلفة وطرق التعامل والتعاون معها. فلا يصح التعاون ولا التعامل مع الصنف الأول، ويصح التعاون والتعامل مع الفريق الثاني بحذر، دون أن يسلم لهم القياد، حتى لا ينحرفوا بالمسيرة. لكن لا يصح قتالهم كما في حالة الحرورية العوادية.
وهي التي بدأت الجهاد في الشام، ولم تتبع القوى العلمانية أو التنظيم الحروري. وهؤلاء لا يرون الكفر والردة بالشبهة، إلا أن يثبت يقينًا ولا يقتلون إلا قصاصًا من قاتل، ولا يرون كفر العوام بجهلهم كما هو مذهب العوادية الحازمية. وهؤلاء قد تجد بينهم غلاة متنطعون، وقد تجد بينهم أصحاب ورعٍ بارد و"أخوة منهج"مع الدواعش. وهذا أمرٌ وإن كان طبيعيّا في الحياة السنية، أعنى تنوع الآراء واختلافها دون تكفير، إلا إنه لا يجب أن يترك ليشيع في مركز إمارة أو إدارة، فإن في هذا تسليم لدفة الحركة لمن هو مصاب بمرض الرعاش! ينحرف بمساره دون أن يدرى.