فهرس الكتاب

الصفحة 655 من 721

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه وبعد

لا شك أن فهم الواقع وتقديره، ومن ثمّ التعامل معه، هو نصف الشريعة. فلا يمكن لفقيه أو عالم أن يغض الطرف عن واقعه، أو ألا يكون على بينه منه، ثم يصدر الفتاوى، سواءً كانت خاصة لفرد أو عامة لأمة. والأخيرة هذه، هي ما نقصد من مقالنا هذا.

الواقع الدوليّ في غاية التعقيد والتشابك، على سهولته ويسره. فهو سهلٌ واضح المعالم حين تقسمه إلى شقين، شقٌ معاند للشرع كاره للإسلام، وهو كافة الحكومات في عالمنا اليوم، شرقًا وغربًا. وشقٌ محبٌ للإسلام، حريص عليه، راغب في الحياة بحسب قوانينه وتصوراته، وهو أقل الأقلية في خضمّ الشعوب المسلمة في الشرق.

لكنه واقع معقدٌ متشابك، حين يريد المهتم بأمر تلك القلة أن يتعامل معه، ليحقق ما يهدف اليه. إذ وجود الهدف لا يعنى إمكانية تطبيقه، من حيث توفر الشروط ووجود الموانع ودرجة قوتها. وهذا اللون من الفقه، فقه الواقع بشقيه، أعنى الحكم الشرعي والواقع الدولي، هو ما يسمّى السياسة الشرعية.

وعملية المزج بين الحكم الشرعي والواقع العمليّ للخروج بفتوى، أي طريق التعامل في مسألة معينة، يسبقها تحديد الحكم الشرعيّ الملائم للتطبيق من حيث إدراجه في بابه الفقهي، أو تحت قواعده الكلية، وفهم الواقع المتشابك المعقد، بكلّ أبعاده، كما ذكرنا.

وقد اختلف الناظرون في زمننا هذا، في مسائل السياسة الشرعية، وتضاربت أنظارهم واختلفت فتاواهم، ومن ثم تعارضت الطرق التي يسلكونها على أرض الواقع. وما ذلك إلا بسبب ضعف أو قوة لدى الناظر في الجانب الشرعي، أو غبش وضبابية في فهمه للواقع، أو كليهما، مع هوى مسبق مترصد بالعقل والقلب.

وقد سمعنا في العقود الأخيرة نغمات يرددها عدد من العاملين في حقل الحركة الإسلامية، والمتصدين لأمور"الأمة"العامة، تدعو إلى"المرونة"في التعامل مع الواقع، وفي اعتبار معطياته بشكلٍ واقعيّ لا خيال فيه ولا شطط.

وقد قامت جماعات بأكملها على أساس من تلك"المرونة"كجماعة"الإخوان"، ووليدتها غير الشرعية"السرورية". وقد أقصينا الجماعات السلفية السلطانية من هذه المرونة، إذ ليس أتباعها في حاجة أصلًا للتعامل مع واقعٍ هم يرونه لا مخرج منه كما هو اليوم، فيستسلمون له بكامل معطياته، ويزعمون أنه في حاجة للإصلاح لا للتبديل! وكيف تصلح كبدًا مقروحة بسرطان خبيث انتشر فيها، وفيما حولها، إلى العمق؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت