فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 721

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد

ليس من قبيل الصدفة المجردة، أن تأتي التحركات العالمية والتحالفات الدولية، ضد الإسلام والمسلمين، بعد ما عُرف باسم"الربيع العربي"، والذي انتفضت فيه شعوب تونس ومصر وليبيا واليمن والشام، ضد أنظمة طاغية باغية مرتدة، حطمت تلك الشعوب تحطيمًا، وغيرت هويتها ومسخت فطرتها.

كانت تلك"الثورات"مختلطة الهوية، بمعنى أنّ مُشعليها الأوائل لم يكن هدفهم رفع شعار الإسلام، وإعلاء كلمته، في كلّ تلك البلاد. بل كانت انتفاضة قِدْرٍ غلى بما فيه بعد عقود من الذلة والمهانة. ثم ما أن اشتعلت الشرارة، دخل"الإسلاميون"الساحة، منهم من كان فيها عمرًا يعمل في طريق ضال ابتداءً، كالإخوان، وأتباع حزب النهضة الإسلماني، ومنها ما تكونت بذرته من واقع تطور الأحداث، حسب طبيعة البلد وواقعها.

وفوجئ الغرب بأن تلك الشعوب لا تزال فيها نبض حياة، فبدأ مكر السوء، بالتعاون مع الغادرين من آل سلول ومتخنثى الخليج والمجالس العسكرية العلمانية، ليقضي على البقية الباقية من الحياة، بعد أن رأي شعلتها تضئ طريقًا للجهاد، إن اشتعل فلن يقف في وجهه شئ، حتى يعود للإسلام مجده.

لكن الأمر هنا، أن هذه الجماعات، قد سارت على طريق من قبلها، فلم تنشأ من رحم شعبٍ يحتضن جهادها، ويمدها بالطاقة والعدة والأمان، حين وقت الحاجة. بل إن أفرادها أقرب ما يكونوا من النُزّاع من القبائل، لا يربطهم بالحاضنة المسلمة رابط إلا روابط الأهل والعشيرة، لا الهدف والعقيدة. ولا يحسبن أحد أننا نقول بكفر تلك الشعوب، لا والله، لكن وضوح الهدف والعقيدة أمرٌ عزيز، لا يعلمه إلا النزّاع من القبائل، وهم من ثمّ، من وجب عليهم توجيه العامة.

وقد كان هذا التطور طبيعيًا، إذ إن تلك الشعوب، في غالب تكوينها، قد انحرفت فطرها، وتشوه لديها الإسلام، وتبدلت صورته. ثم إن الضنك الذي أغرقه حكامها فيه، جعلها تنشغل بالضرورة الأولي، وهي حفظ النفس، فتقاتلوا على الخبز وتنافسوا على الدرهم. ومصر مثال واضح في هذا الصدد، حيث جعل السيسي حياة المصريين، بما فيهم شعبه المرتد، حياة ضنكًا لا يحياها إلى حيوان ذليل. أما في سوريا والعراق، فقد تكفل المالكي وبشار بتحويل حياة الشعبين إلى مأساة ليس لها في تارخنا مثيل إلا القليل. وفي تونس، أمكن التحول العلمانيّ بيسر وسهولة، من حيث أن حزب النهضة علماني التوجه أصلًا، بخلاف الإخوان الذين ضلوا الطريق إلى الإسلام من حيث طلبوه، رغم تبنيهم سلمية أقوى من الرصاص!! لذلك نرى التحول في مصر نحى منحى دمويا رهيبًا، خلاف تونس، التي كانت فيها جيوب مقاومة إسلامية هنا وهناك.

ولم يشذّ عن هذا إلا"جبهة النصرة"أول إنشائها، حيث توجهت توجهًا صحيحًا بالاندماج في مشاكل الشعب، فحظت بحب الناس وتعاطفهم. وكان الأمل أن تتحول صورة الحركة، على يديها ومن مثلها، من يد"النزّاع من القبائل"إلى يد"القبائل"يمدون هؤلاء بما يحتاجون من وقود حركيّ.

وهنا، برز دور إبراهيم بن عواد الحروري الخائن، فتوجه للشام، ضاربًا القوى السنية، ومن ورائه قيادات القوى البعثية المنبوذة من الشعبين، وغفلة الكمّ الهائل من المسلمين"المجاهدين"، خاصة المهاجرين العجم قبل العرب، الذي اتخذهم وقودًا لحركته،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت