وهذه المسألة تتعلق بمفهوم الديموقراطية أولًا، ثم مفهومها تأويلًا عند بعض الإسلاميين، ثم الفرق بين المقاصد والوسائل في هذا الأمر، ثم تحديد المصالح والمفاسد فيها، ثم الخروج بالنتيجة. وسأتبع هذه الخطة في قولنا في هذه المسألة إن شاء الله.
الديموقراطية نظام نشأ في الغرب الهيليني في حضارة اليونان ثم الرومان قبل الميلاد وبعده، حيث كان يحكمهم مجلس السناتورات، والذي تطور إلى ما نراه اليوم من أنظمة وأبنية، هي هي ما كانت عليه منذ عشرات القرون. فهو نظام قام على الفكر الوثني قبل الفكر العلماني، إذ الفكر العلماني لم ينشا إلا بعد انفصال الكنيسة عن الدولة في عصر"النهضة الأوروبية".
إذن نحن نتحدث عن شكل سياسي ارتبط بفكر وثني، ثم باركته العلمانية وانتشر في العالم كله. وهو يعنى حكم الشعب للشعب. ما يراه الشعب حسنًا فهو حسن، وما يراه الشعب قبيحًا فهو قبيح. والحق أن هذا النظام، قديما وحديثا، وإن كان ظاهره إشراك الشعب في الحكم، بل الحكم باسمه، فقد كان، ولا يزال، مجرد وهمٍ أحيوا عليه شعوبهم، ولم يتحقق بشكل صحيح أبدًا، وقراءة في كتاب"قصة الحضارة"للمؤرخ الكبير ويل ديورانت، تجلى لك هذا الأمر. يقول ديورانت"إن المبدأ الأساسي الذي تقوم عليه الديموقراطية هو الحرية التي تقود إلى الفوضى، كما أن المبدأ الأساسي في الملكية هو السلطان الذي يدعو إلى الاستبداد والثورة والحرب" [1] . وقد كرر مثل هذا في الأجزاء الخاصة بالحضارة الرومانية من موسوعته.
ولا يمكن أن نَفْصِل الفكرة عن أصلها ونجردها عن مقصدها لنستعملها في قالب إسلاميّ. فالحاكم في الاسلام هو الله سبحانه، ما يراه حسنا فهو حسن، وما يراه قبيحا فهو قبيح. والشرع - أي الكتاب والسنة وما تخرّج عليهما - هو القانون الكلي العام، الذي تنشأ عنه القوانين وتسن التشريعات، إلا فيما سمح به الشرع من أمور الدنيا التي لا تعارض شرعًا، جزئيا ولا كليًا.
ومحاولة تطبيق الديموقراطية بهياكلها واستخدام وسائلها في النظام الإسلامي لا يمكن أن يكون صحيحًا، بل هو من قبيل التلفيق الممقوت. وحتى استخدام اسمها، فالاسم له من موضوعه نصيب"سموا الأشياء بأسمائها".
ثم، النقطة الأخرى، وهي أنّ الديموقراطية، كواسائل وهياكل، لا كحقيقة ومبدأ، هي وسيلة لا مقصد. فمقصد الديموقراطية الوثنية العلمانية هو أن يكون العامة الدهماء هم مصدر التشريع. ومقصد الإسلام أن يكون الله سبحانه مصدر التشريع، ولا لقاء بينهما. إنما يأتي الاضطراب حين يُقال نريد استخدام الشكل الديموقراطيّ من مجالس وطرق انتخاب للحكم بالشريعة! هنا يأتي الخلط و"العك".
(1) "قصة الحضارة"ويل ديورانت الجزء الثالث من المجلد الثاني - حياة اليونان. ص 9.، الكبعة الثانية الإدارة الثقافية جامعة الدول العربية.