الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد
ما تمالكت نفسي، حين قرأت ما خرج عن الأغيلم البنغلي في"ترجمة" [1] وليّ أمره ونعمته العدنانيّ، إلّا أن أفزع إلى أمراء البيان، أستجديهم قولًا أقول في ذاك الخطب المهول! فقلت، معتذرا للشاعر الفحل على عقل:
مُنّوا علي فما اللسان بمُسعفي إنّ المقام"دنا"عن الكلمات!
والله لا يكاد المرء يصدق هذا الغثاء المسطور في حق ذاك المغمور، بل هذا التهافت الذي يتضح فيه مقام البنغلي، خادمًا لسيده المتحكم في رقبته، فقد سبه وشنّع عليه بالهزل المكتوب من حيث أراد أن يمدحه، وإذا بها سخرية هازلة، تفضح ولا تشرح، وتهين ولا تبين، أسماها"ترجمة"وهي والله أقرب لرثاء مفقود. فهما في هذا، كحال الجار والمجرور، من حيث"الجارّ"نفسه في صورة رفعٍ، وحقيقة خفض! ولنبدأ بالحديث عن البنغلي"الجارّ"قبل العدنانيّ"المَجرور".
وماذا نتوقع من"أشْعب [2] علم"مُتطفلٍ على موائد أسياده من المشايخ، تَسوّل سنواتٍ على موائد علمهم، فالتقط من هنا وهناك، لكن قصر به عقله، وتخلّفت به قدرته عن أن يصل إلى أيّ صدارة، في أيّ علمٍ، فتخصص في الحديث عن"شعر الرجال"، كما بيّنا من قبل [3] . لكنه أشْعبُ علم عاقٍ مُعاق، عض الأيدي التي امتدت له تحاول رفعه من وأدته العقلية والعلمية، فراح يهاجم من أحسن اليه، كأنه بذلك يضع لبناتٍ في بنائه الهار، وهو لا يعلم أن العلماء بحقٍ سيقفون له بالمرصاد، وأن علم الطبقات ليس فيه محل لصرحٍ دون عِماد. عض هذا المسعور يد معلمه وشيخه الأجلّ العلامة أبو محمد المقدسي، الذي أخذه تحت جناحه ردحًا، ثم لفظه وتبرأ منه لمّا عرف خساسة مقامه. ثم عضّ يد شيخه ومعلمه الشيخ المفضال العالم د هاني السباعي، بعد أن جفّ ريقه لهثًا وراءه ليمنحه إجازة يتباهي بها بين أقرانه من الرويبضات. وما بالك بمن تعرّض لأيدٍ مُدت اليه إحسانا، فإذا به يعضّها خساسة وبهتانًا؟
أمّا العدناني"المجرور"، فماذا يمكن أن نقول، وقد كفتنا ترجمة"أشعبُ العلم"له عن أيّ تفصيل؟
والرجل لا يزال يكذب حتى يكتب عند الله كذابًا. فمن أين أتى بصفة أنّ مَجروره"معروف لا يحتاج لتعريف"؟ ألا يستحى من البهتان؟ ثم"سموا لنا رجالكم"، سبحان الله، فقد قصد بن سيرين"المعروف منهم لا المجهول"، فقد أسمى مجهولا، لا وجود له في أي محلٍ ولا على أيّ لسان، قبل أن يبلغ به كرهه وحقده على الجولانيّ أن يخون دينه ويجرى لاهثا وراء خليفة المسخ، فيضيع دينه ويبيع آخرته.
ثم، ما هذا النسب العلميّ الذي يكتسبه"المجرور"من وجوده بالسجن مع أحد المجاهدين؟ ثم ماذا حصلّ هذا المجرور من هذين المجاهدين؟ أيّ علم حصّل؟ أم مجرد دردشة نهار وسمر ليل، في ظلام زنزانة سجن؟ ثم، ثالثة الأثافي، تلمذته على يد ثالت المجاهيل البغداديّ! فوالله لا نعلم عنه علمًا، إلا الكذب والخداع.
(2) أشعب المعروف بأمير الطفيلين في الأدب العربي، وله نواجر في التطفل تجدها في كتب مثل عيون الأخبار وغيره.