فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 721

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد

اطّلعت على مقال الأخ الكريم عبد الحكيم حسان، تحت عنوان"حكم العمليات الاستشهادية" [1] ، المنشور على منبر التوحيد والجهاد. وقد أكبرت المحاولة التي بذلها الأخ لبيان أن حكم هذه العمليات، هو الطلب بدرجاته وجوبًا وندبًا.

والحق، أنني، مع موافقتي لما وسم به أبواب المقال، إلا واحدًا استثنيه، إذ في النفس من استدلالاته شيء كثير، سأوضحه إن شاء الله. والأمر أن الاعتراض على هذا الباب بالذات يُخرج نتيجة البحث عن قصدها، ويعيدها على صاحبها، دون إقرار لها.

والباب الذي اعترض على تسميته، هو باب"أقوال أهل العلم في جواز حمل الواحد على العدد الكثير وإن تيقن القتل". وقد كفاني الأخ الكاتب مؤونة الرجوع إلى نقولات أخرى، غير ما نقل، فقد أوفي في النقل. إنما هي طريقة توجيه النص واستخدامه في الوصول إلى النتيجة التي رآها بناءً على ما قدّم قبلها من أبواب، تحث على التضحية بالنفس وبذلها في سبيل الدين، والحثّ على تقحّم المهالك، مما لا يختلف فيه الناس.

والواجب هنا أولًا أن أنبه إلى أنّ كلّ ما أورد الأخ في البابين الأولين صحيح واضح، لا غبار عليه، إلا إنه استخدمه لتصحيح رأيه، دون أن يدل ما نقل على ذلك الرأي دلالة واضحة يقينية. فنحن هنا نتحدث عن قتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق، فلا مجال لمتشابه ولا مظنون.

وأكثر ما أثارني لهذا الرد، هو ما جاء في عنوان الباب"... وإن تيقن القتل"! فإن هذه إضافة لما نقله العلماء في كلّ ما نقل عنهم. فقد استعمل كلمة"انغماس"، وهي الكلمة التي يستعملها اليوم حرورية العصر، وكأنهم وقعوا على كنز لهم!، نقول، استعملها الأخ في الدلالة على ما لا تدل عليه. فإن مجرد الانغماس لا يعني"التيقن"من القتل! فقد ينغمس المسلم، ثم يعود سالمًا، وما المانع في هذا، بل إن هذا هو محور نقطة الخلاف، وهي أنه هل ينغمس المسلم متيقنا القتل، قاصدًا له؟ فلا يصح الاستشهاد به. والخطأ الأكبر هنا هو أن توحى النفس لصاحبها أنّ"انغماس"مرادف"لقصد القتل والتيقن منه"، وهو خطأ فادح في الفهم أولًا، وفي استعمال الألفاظ ثانيًا، وفي عدم مراقبة تصرّفات الهوى في توجيه الكلام ثالثًا.

ومثال ذلك استشهاده بحديث"جابر قال: قال رجل: أين أنا يا رسول الله إن قتلت؟ قال: (في الجنة) ، فألقى تمرات كن في يده فقاتل حتى قتل"البخاري ومسلم. ثم ما نقله عن النووي"فيه جواز الانغماس في الكفار والتعرض للشهادة، وهو جائز لا كراهية فيه عند جماهير العلماء". وكلام النووي واضح هنا، إن لم نحمّله ما لا يحتمل. فالنووي يقول إنه يجوز الانغماس في الكفار، أي الحمل عليهم بالطريقة القتالية العادية حتى يكون بوسطهم، فيكون بذلك متعرّضًا للشهادة. فأين ذلك ممن"ينغمس"، بالمعنى الاصطلاحي البدعي المستحدث، وهو محمّل بالقنابل التي ستقتله هو نفسه أولًا، وقد تقتل غيره أو لا تقتل، حسب الحال! هذا منتهى الخطأ في توجيه الكلام وتحميله ما لا يحمل. وهو ما جرى عليه الأخ في كافة ما كتب بعد ذلك، كما في حديث أنس"فانغمس الرجل في صف المشركين فقاتل حتى قتل"الحاكم، فأين قصده اليقيني أنه يُقتل، بل الأكثر هنا أن يقال أنه قد غلب على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت