فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 721

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد

تواترت أخبار الحرورية العوّادية من كلاب أهل النار، على ذبح المسلمين كما تذبح الشاة، وتلذّذهم بذلك الفعل، واستخدامه وسيلة لقتل أعدائهم من مسلمي السنة، ومن غيرهم. وتعلّلوا في ذلك بأن هؤلاء كفار حكمهم الذبح، وأنهم يتّبعون"سنة"رسول الله صلى الله عليه وسلم! حاشاه، وأخزاهم الله، وزادهم عمى على عماهم وطمس على قلوبهم.

والتعلة الأولى، التي هي إنهم كفّار، مردودة عليهم، كتبنا فيها ما يملأ عقولًا تفهم عن الله، كما دوّن وخطب كافة من انتسب للعلم مثل المشايخ أبي قتادة والسباعي والمقدسي والعلوان والحدوشي وغيرهم كثير من الأفاضل، فلا حاجة للإعادة. وهذا هو محض سبب تسميتهم بالحرورية، إذ يكفّرون المسلمين بما ليس بكفرٍ إلا في فقههم الدنس، ثم يقتلونهم على ذلك.

أمّا أن هؤلاء يذبحون كالشياة، فهذا جرمٌ على جُرمٍ. هذا فقه العميان، من الحرورية الظاهرية العوّاديّة، كلاب أهل النار، أخزاهم الله.

نعم قد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه سلم قد حكم على البالغين الذكور من بني قريظة بالذبح، إقرارا لحكم سعد بن معاذ رضى الله عنه، لشناعة جرمهم، وخيانتهم للعهد الوثيق. كما صح عنه صلى الله عليه وسلم في مسند أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال"والذى نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح".

والأمر هنا، ككلّ أمر آخر يعقله الناس، يجب النظر في معانيه ودواعيه. فالمعاني تُعنى باللفظ، والدواعي تُعنى بالأسباب والأفعال.

والأصل هنا هو أنّ من ادعى أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد بعث لذبح الكفار، فقد سبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونقض إسلامه، وخرج من الملة. فإنّ الله بعثه صلى الله عليه وسلم هدى ورحمة للعالمين، يهديهم للإسلام، ويعلمهم طريق الإيمان والإحسان، لا جزارًا، حاشاه، يعتني بذبح المشركين ليل نهار!

أمّا عن لفظ"الذبح"، فإنه لم يرد نصًا واحدًا فيه ذبح المرتد، بل في حديث البخاريّ"من بدّل دينه فاقتلوه"، فقتل الرتد بعد استتابته فرضٌ على وليّ الأمر المسلم. فاستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة"القتل"لا"الذبح"، إذ المقصود إنهاء حياته، لمفسدته على المجتمع، لا تعذيبه، فسيلاقي من العذاب عند الله ما ليس له قرين في الدنيا. فهذا نصّ في القتل، لا في الذبح. ويتضح ذلك في حديث مسلم عن شدّاد بن أوس رضى الله عنه، قال صلى الله عليه وسلم"إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته". وهنا يتضح الفرق بين القتل والذبح، وواضح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتحدث عن البهيمة في سياق الذبح خاصة، ومن قال إن قوله صلى الله عليه وسلم"فليرح ذبيحته"، يعني بها بشرًا، فقد خَرُب عقله وفسدت فطرته.

أمّا عن حديث"لقد جئتكم بالذبح"، فالذبح هنا لا يُحمل على نصّه، وإنما يراد به القتل لمن لا يؤمن، وقد قاتل رسول الله صلى الله عليه وصحابته، وقتلوا كثيرًا من المشركين بالسيوف، وهي أداة الحرب في عصرهم، ولم يُعرف أنه ذبح إلا بني قريظة، وأقر بن مسعود على ذبح أبي جهل لشدة كفره وجرمه. لكنه لمّا فتح مكة، عفا عن الكلّ إلا من كانت له سابقة لا تحتمل عفوا، ولم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت