فالحكم هنا من ذلك النوع ويرجع إلى أصل الاعتقاد من ناحية وإلى السياسة الشرعية من ناحية أخرى.
ومن هنا فإن قتال الروافض، واجب عيني على السنة، فإن تعذر وحدث أنّ الحرورية يقاتلونهم في موضعٍ ما، ولا ينحرون السنة في هذا المكان، أمكن أن يقاتلوا بجانبهم، لا معهم، دون بيعة، لرد الصائل الحالّ. ثم يعودوا لقتال الحرورية إن صالوا عليهم بعدهان أو إن تيسر لهم وقت وعدة بعد قتال الروافض والنصيرية. كذلك نفس الحال مع الروافض والنصيرية.
ثم موضوع قبول السلاح والمال من القوى الخارجية، هو أمرٌ فيه فتنة كبيرة. ولا يمكن الجزم فيه بالحرمة على الإطلاق، لكن في موضع الحرب، وتشابك المصالح، تكون الحرمة هي الخيار الأول لمن اتقى. والحصول على المال فتنة شيطانية لا دافع لها، والبشر بشر. وشرط الحلّ هو قصد كسب الحرب ضد كفار صائلين حالًا لا مآلًا، وعدم ربط التعاون بأي نوعٍ من الشروط، وهو ما يجعل وقوع الحِلّ شبه مستحيل، إذ لا أحد يعطى دون أن يأخذ إلا الوالدين!
ولهذه الاعتبارات، يجب أن يكون المتعاون مع القوى الخارجية كلها على أشد الحذر، إذ هو ساعتها أقرب للوقوع في حرامٍ أو في كفر حسب الحال. كما يجب على الناظر في حال المتعاون أن يتريث ليعرف مدى وقدر التعاون الواقع قبل تكفير الفصيل المتعاون.
وتبع هذه المسألة، وتبع التفرق والتمزق الذي عانته الساحة الشامية منذ غزو الحَرورية لها، مسألة أخرى. وهذه المسألة تتعلق بوجود بدائل على الساحة تتيح التعاون بين الفصائل المختلفة"أيديولوجيا"أو"عقديًا"خاصة تحت وطأة الضغط النصيري من ناحية، والضغط العواديّ من ناحية أخرى. ومرة أخرى، فإن التعاون بين الفصائل المناوئة للنصيرية أو للحرورية، حكمه الأصليّ الحلّ. لكن عند التفصيل يحتاج إلى نفس الشروط التي ذكرناها من قبل، أو قريب منها، لينظر المفتي في حلّه أو حرمته.
القول في المسألة:
لا شك أن الأصل هو أن يقف المسلمون صفًا كالبنيان. ويحرم تفرقهم الذي يؤدى إلى ضعفهم وذهاب شوكتهم لما فيه من هدم للدين. لكن مرة أخرى البشر بشر. فقد اختلفوا في بدايات نشأتهم، وتميز كلّ فصيل على حدة، وبنى استراتيجية حسبها هي الأعلم والأحكم، وأتى من ورائها إبليس اللعين يضع في نفس القيادة حب التمسك بالمركز القياديّ، وأخفاه وراء الأيديولوجية من باب"ما أريكم إلا ما أرى"، وهو في الحقيقة ضعف نفس لا غير.
ثم إن الكارثة هي في الخلط بين القيادة والعلم. فأنّي لقائد في الميدان أن يكون عالمًا إلا إن كان قد تحلى بالعلم وشهد له الناس وأقام الدليل بما أخرج ودوّن في المسائل العلمية. وهذه النقطة هي الأخطر والأهم في الساحة الشامية، بل