فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 721

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد

الأصل في أمور الناس والأحداث، أن العمل على الظاهر، وهو عماد الشريعة ومقتضى المنطق، إلا في شؤون السياسة، فالعكس هو الصحيح. ونعنى بهذا أن الأصل فيهما التنقيب عمّا خفي من الأمور وما بُيّت بليل، وما يجرى من وراء ستار الظاهر، إن أردنا فهما صحيحا وتوصيفا دقيقا لما نراه بأعيننا على الساحة السياسية، قولًا وعملًا.

من هذا المنطلق، فإننا نجزم أن"ظاهرة داعش"، ليست بتلك البساطة والعفوية التي تبدو بها على السطح، والتي تفترض"أنّ مجموعة من"الموحدين"، قررت أن تحمل السلاح فانطلقت تبشر بدين الله، فاجتمع عليها المؤمنون من مشارق الأرض ومغاربها، فاقتحموا البلدان، وساحوا في السهول والوديان، وكان الظفر حليفهم، والنصر قرينهم، فأقاموا دولة الإسلام الفتية الظاهرة، وحصل لهم التمكين بالقوة القاهرة فتنعم الناس فيها بما منّ عليهم به خليفتهم المصون، وما منع عنهم من الفسق والمجون، وصار يتحدى قوى العالم الخبيث ويهدد أوباما النبيث [1] . وهنا أدرك شهرزاد الصباح، فكفت عن الكلام المباح!"إذ هذه السياق لا يكون إلا في ألف ليلة وليلة، لا يصدقه إلا طفل أو جاهل فسيلة.

من المعلوم أن إبراهيم بن عواد العراقي، قد خلف أبا عمر البغدادي وأبا حمزة المصري، اللذين خلفا الزرقاوي، رحمهم الله جميعا. والثابت أن أصول بن عواد غير معروفة من قبل، لا في الجهاد ولا في العلم، إلا عن طريق نقل من هم من محاسيبه ومرافقيه. مما يلقى ظلال الشك في توجهاته ونواياه الأصلية، وحقيقة وُثوبه على الجماعة التي نشأت على يد الزرقاوى ومن بعده أبو عمر البغدادي وأبو حمزة المصري. وقد تحفظت قيادة خراسان وقتها على هذا التعيين، وطلبت معلومات عن شخصه ومن معه كالأنباري. وكان من قبيل الخطأ القاتل أن قد أعلنت ذوبان تنظيمها في العراق في هذا التنظيم المسمى بالدولة دون التحقق بالكامل ممن يقوم عليه. ذلك أن زلة أمثالي ممن لا يد لهم في قرار، إلا النصح والإرشاد، غير زلة من بيدهم تسيير الأمور، ومن ثمّ، فإن درجة تحفظهم في هذا التأييد كان من الواجب أن تكون أضعافا مضاعفة، لكن قدر الله كان مفعولا.

ونحن لا نشك اليوم في أن اتجاهات بن عواد الحرورية، كانت طافية على السطح من يومها الأول، وأنها استرعت انتباه قاعدة الجهاد في خراسان، والناظر في منظور القاعدة للجهاد في حديث الشيخ أسامة، والدكتور الظواهري وعطية الله الليبي وأبو مصعب السوري، يرى التفاوت البائن الذي لا لقاء بعده بين المنهاجين.

والمؤكد أنّ هذا المنهج ليس منهجًا سنيًا، بل هو منهج حروري خارجيّ بحت، كما بيّنا في مواضع عدة من كتاباتنا. ومن هنا كان أول الخلل في تصرفات وتحركات هذا التنظيم. لكن يبقى السؤال: كيف وصل الرجل الذي يحمل جرثومة الخروج إلى هذا المنصب؟ أهو جنوح أسلافه، الزرقاوى ومن بعده إلى بعض"الغلو"، ما أدى إلى إيجاد مساحة فكرية تحمله إلى القمة؟ أم إنه كان صنيعة"لوبي"بعثيّ متستر، أعان على الدعاية له وإعانته في حملته لهذا المنصب؟ وما نجنح اليه، حسب رؤيتنا في أن الأحداث عامة لا تحدث نتيجة أسباب مفردة أبدًا، أن كلا السببين واردان معا. فالبيئة الحاضنة للتطرف الحروريّ كانت موجودة متلقية، والمعين المساعد من الخارج كان جاهزا جاضرًا. فكان أن وصل الرجل إلى قمة هيكل هذا التنظيم، في غفلة من الكثير،

(1) النبيث: الشرير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت