الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد
رأينا إذن أن موضع الخلل الأساسيّ هو ذلك التصوّر الحركيّ الذي بني على تجمع"النزّاع من القبائل"من ذوي الصلاح والهمم، لعمل موحد، يجمع بينهم، ويقف خارج المساحة الأهلية، دون أن يمون له حصانة داخلها، أو مدد.
ولو اعتبرنا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم"بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كمل بدأ"لوجدنا أن الغربة في الإسلام بدأت بظهور"النُزّاع من المجتمع الجاهلي"، أو"النُزّاع من القبائل"، وهم الأفراد المعدودون الذين آمنوا برسالته صلى الله عليه وسلم، وتابعوه وبايعوه عليها. لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يُنشأ من هؤلاء جماعات مسلحة، تقاوم قريشًا، بل حين اشتد الأمر على بعضهم، أذن لهم في الهجرة إلى الحبشة. ثم استمر عليه الصلاة والسلام في العمل على إيجاد حاضنة شعبية للدعوة، مع استمرار دعوته في مكة. وهذا العمل، من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس محض صدفة، بل هو تقرير منهج، فإن قوله وفعله صلى الله عليه وسلم، فيما يختص بالدعوة، وحيٌ من وحي الله جل ثناؤه. وما أن استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، وسط حاضنة شعبية، بدأ في بعث البعوث وتسير السرايا.
ويقول قائل: وهل مجتمع اليوم الذي نعتبر أهله مسلمون هو كمجتمع الأمس الجاهليّ في مكة المكرّمة؟ وهل يعني هذا تكفير مجتمعاتنا اليوم؟ قلنا: لا والله، لا هذا ولا ذاك. فإننا ندرك الفروق بين مجتمع اليوم وبين مجتمع الأمس، من حيث أن الأصل اليوم في المسلم السلامة من الشرك، حتى يثبت عكس ذلك، رغم شيوع الكثير من الشركيات في الحاكمية والطاعة والشعائر. فإن الله سبحانه قد تعبدنا، بالنسبة للفرد، أنّ لنا الظاهر وأنّ الله يتولى السرائر. وأنه إن تعارض ظاهران، قدم أقواهما دلالة شرعًا ثم استعمالًا ثم لغة، وأنه يجب اعتبار الشروط والموانع، وسائر مقيدات الأحكام الشرعية المعروفة في الفقه والأصول. أما بالنسبة للتوصيف المجتمعيّ، أو توصيف النظم الحاكمة فهو يخضع لمعايير أخرى تحدثنا عنها في مظان أخر.
لكنّ هذه الفروق لا تلغى بالكامل أي تشابه بين البيئتين. بل يبقى أن التصرفات الإنسانية بشكلٍ عام تتشابه في ردود أفعالها، إن وُجد التشابه في الظروف المحيطة بها، بغض النظر عن سلامة الدين أو دقة تطبيقه. فنحن نرى أن الشعوب تثور على الظلم، مسلمة كانت أم كافرة، عاصية أو تقية. إنما الفرق في النية والهدف، ومن ثم في الإخلاص لله أو لغيره، ومن ثم في نجاح الثورة أو فشلها. وقد قامت ثورات للعبيد ضد أسياد الدولة الرومانية من قبل، لكنها لم تحقق انتصارًا من حيث إنّها كانت تعمل بمفهوم"النزّاع"، ولم يكن من المُمكن لها أن تجد حاضنة، من حيث سيطرة نظام روما على كافة الأنحاء المتحضرة آنذاك، ومن ثم استقرار نظام الرِقّ فيها.
وقد وجهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سيرته الزكية، وسنته المطهرة، إلى هذا المعنى، من حيث استمر في العمل الدعوي حتى تكوين القاعدة الحاضنة للدين، والتي أمِن بها مكر المشركين الصرف، من حيث انفصل عنهم حياتيًا، من ناحية، وبقي في حاضنة متشابهة فيها المنافقون والمرجفون، وأكثرها المؤمنون الصالحون، من ناحية أخرى.